فهرس الكتاب

الصفحة 8859 من 27345

إِن الودّ بين الأَهل والأَرحام وهم ملتزمون بدين الله أمر مشروع حتى يقوى المسلم على الوفاء بأمانة صلة الرحم. وإِن حبّ الوطن، حبّ المؤمن لداره وأرضه وبلده، هو من فطرة المؤمن وطبعه. ولكنّ هذا الحب يصوغه الإيمان والتوحيد، حتى لا يتحول إلى عصبية جاهليّة تجعل ولاء المسلم الأول لأهله وعشيرته أو أَرضه ووطنه، ولاءً أعلى من ولائه لله ورسوله، وتجعل أُخوة الأرض والوطن أعلى من أخوة الإيمان، وتصبح الأرض هي محور الأحلاف والصلات، والتكتلات والتجمعات، ويصبح المؤمنون بذلك على غير ما أمر الله ورسوله به. يصبحون أشتاتًا وأحزابًا، وفرقًا وشيعًا، يحارب بعضهم بعضًا، ولا يصبحون أُمة واحدة من دون الناس كما أمر الإسلام، وتُصبح الحوافز بذلك حوافز جاهلية، حوافز أرض ودنيا، حوافز مصالح وعواطف منحرفة، ولا تكون حوافز إيمانيّة جلية تشدّ المؤمن ليسعى على صراط مستقيم، هدفه الجنة ورضاء الله، ليسعى وهو يتذكَّر ويعي مع كل خطوة الآيات والأحاديث التي ترسم له دربه، وتصوغ له صلاته وروابطَه، حتى تأخذ كلُّ صلة صورتها الإِيمانية، وحتى تُؤدّي هذه الرابطة المهمّة التي شرعها الله، وعلى الصورة التي أمر بها، وفي الحدود التي أقامها، دون تجاوز وطغيان، أو تقصير وظلم.

لا يتسنَّى للمؤمن أن يفي بهذا الأَمر، أو أَن يدعي روابطه على نحو إِيماني يَعْبُد بها الله سبحانه وتعالى إلا إذا صدق الإيمان وصفا التوحيد في قلبه، وإلاّ إذا ملأَ العلمُ الحقُّ قلبه بالآيات والأحاديث، حتى يعرف من منهاج الله حدود كلِّ رابطة، لا من أهوائه المتفلِّتة وعواطفه الجاهلة، ومصالحه التي يُخفيها تحت الشعارات والرايات والزخارف، بغير هذا العلم، وبغير التوعية والتدريب المتواصل الذي كانت توفّره مدرسة النبوّة، وبغير الرعاية والمتابعة والإشراف، والإدارة الحازمة الواعية القوّية، لا يستطع المسلم أَن يلتزم الروابط الإِيمانية حقَّ الالتزام.

عند ضعف الإيمان وغياب العلم بمنهاج الله، وغياب التدريب والرعاية والإعداد، تخضع الروابط عندئذ لقوى العادات والأعراف، والعاطفة والنزوات، وضغوط الجهل والأَهواء، فتنحرف الروابط من خلال التصوّر والممارسة إلى أَشكال جاهلية، حتى تألفها النفوس، ثم ترضى بها وتخضع لها، ثم تراها أَنها هي الحق فتدعو لها، ثم تقاتل دونها.

إِن الحدود التي أقامها أَعداء الله لتمزيق هذه الأمة، أَلفها الناس ثمَّ رضوا بها، ثمَّ أَخذوا يقيمون الأَعياد والأَفراح لها، ثمّ أَخذوا يدافعون عنها ويحمونها، ويتمسّكون بها تحت شعارات الوحدة وزخارفها، بدلًا من مقاومتها والسعي الحثيث لإلغائها. وأَصبح هذا الواقع المخالف لنصوص منهاج الله هو الذي يصوغ الروابط والعلاقات على مدى غير قصير من الزمن، ولكنه قصير بالنسبة لحياة أُمة ! ثم أَصبح يصوغ السياسة والمواقف، والاقتصاد والمصالح، حتى امتدت المأساة وزاد الجرح عُمقًا في جسد الأُمة.

لقد أصبح من السهل أَن يُرفَع شعار الإِسلام ورايته، وفي الوقت نفسه يمضي الجهد والفكر والعطاء بروح قومية أَو إِقليمية ترسم الدرب والنهج والأَهداف، وتصوغ النيّة والعلاقات تحت شعار الإِسلام، إذا جاء الاقتصاد أَصبح الناس اشتراكيين، وإذا جاءت السياسة أصبح الناس"ميكيافيليين"، وإذا جاء الأدب فالناس حداثيون، وإذا عرضت المصالح فهم إِقليميون أَو قوميون، ولم يأخذوا من الإِسلام إلا راية يتخفّى الناس في ظلالها، وهم ماضون على نهج غير إِيماني.

ويزداد الأَمر سوءًا حين تصبح التجمعات إقليمية أو قومية في بنيانها ونهجها وأَهدافها، ثم يُظَلَّل هذا كله براية إِسلامية أَو تلاوة قرآنية، أو لباس وزينة وشعار. وفي قلب الفكر وروح النهج ولاء قوميٌّ أَعلى أَو إِقليميٌّ أكبر، هو الذي يرسم الدرب ويحدِّد النهجَ، ويقيم العلاقات ويبني الأَهداف. وقد تتفلّت من بين الزخارف والزينة، والطلاء والأَصباغ، تعبيرات مناقضة لزخارف الراية والشعار، تكشفُ حقيقة الفكر وروح النهج واتجاه المسيرة. ولكن هذه التعبيرات المتفلّتة تُطوَى في أَمواج العاطفة والحماسة، حتى لا يكاد يلتفت لخطورتها إِلا القليل الذي يغيب صوته.

ويزداد الأَمر سوءًا حين تصبح الزخارف والزينة والشعارات تُرضي الناس فَيُقْبِلوا عليها على أنها هي"الجوهر"الحقّ، دون أَن يسألوا عن حقيقة هذا"الزخرف"، وما فيه من خلل واضطراب وتصادم مع النهج الإيماني. وتصبح البطولات القومية بعد ذلك بطولات إيمانية تمنح لقب الشهيد مثلًا لكل قوميًّ صرع في الميدان ولو كان نصرانيًا أو ملحدًا أو ضالًا. ومن خلال ذلك تلتقي المناهج غير الإِيمانية مع الشعارات والزخارف في تحالفات وولاءات. ثم يبحث الجميع عن مسوّغات لذلك في تأويل للآيات والأَحاديث، تأويل أَصبحت النفوس مستعدة لقبوله، والعقول جاهزة للدفاع عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت