فهرس الكتاب

الصفحة 8860 من 27345

إِن الأمر يبلغ غاية السوء وأَشد الخطر حين يصبح الرأي العام المنتسب للإسلام يقبل هذا التأويل، وهذا الواقع، ويمضي معه ليكون حاميًا له وقوة له، بعد أَن سكت عنه أَولًا ثمَّ استسلم له ورضي به واعتاده وأَلفه !

ثمَّ لا يستيقظ أَحد إلاّ عند نزول البلاء بعد البلاء، والفتنة بعد الفتنة، والدمار بعد الدمار، واللجوء بعد اللجوء، والمجازر بعد المجازر، ثم تجد من يسأل: لماذا حلّ بنا عقاب الله ؟! (.. قل هو من عند أَنفسكم.. ) ، هذا هو ما كسبت أَيديكم، وهذا هو ما صنعتموه أَنتم بأَيديكم وأَنفسكم، فالله حق يقضي بالحق، لا يظلم شيئًا، ولا يظلم أَحدا !.

إِنها مسؤولية كل مسلم أَن يبذل جهده ليعالج هذا المرض في نفسه أَولًا ثمَّ في أهله وعشيرته ثم في قومه وأُمته.

وإن أَول العلاج هو تصحيح التصوّر الإِيماني والتّوحيد، حتى يصدق الولاء الأول لله، وحتى يصدق العهد مع الله، وحتى يكون الحب الأَكبر لله ولرسوله حقيقةً لا مجرد شعار يطويه حب الأهل والعشيرة، وحب المصالح والأهواء. إِنه عمل هام ضروري لاغناء عنه، حتى يستقيم الإِيمان والتوحيد على النهج الربّاني في جميع تصوّراته وممارساته.

إِنها القضية الأُولى التي تحتاج إلى رعاية وإعداد، وتدريب وبناء. وإِن من أَهم الوسائل إلى ذلك مصاحبة منهاج الله مصاحبة عمر وحياة، مصاحبة منهجية، في ظل رعاية حانية وإِشراف وتدريب، حتى تستقيم النفوس التي يكتب الله لها الهداية برحمته وفضله. ولا شيء يصنع في النفوس مثل منهاج الله إذا آمنت القلوب ووعت وتدبّرت.

إنها قضية هامة ليتبرّأ المسلم من كل الروابط الجاهلية، والعواطف الجاهلية، والأَفكار الجاهلية والممارسات الجاهلية، فلا تخدعه الزخارف والزينة، والشعارات والرايات، ويظل يسأل عن الجوهر حتى يتأكد ويطمئن، ويظل يسأل عن النهج وتفصيلاته، ومدى ارتباط النهج بالأَهداف، وكيف يوصل النهج إلى الأهداف، ومدى ارتباط هذا كله بمنهاج الله !

إن علاج أمراضنا وعللنا لا يمكن أَن يتمّ بالشعارات المتنافسة المتصارعة. ولكنه يتمّ بالنهج المدروس، والخُطة الواعية، والعمل الدائب والبذل الصادق ليل نهار، عسى أَن يكتب الله لنا النجاة في الدنيا والآخرة.

العصبيات الجاهلية وما يبنى عليها من روابط وصلات مرض قاتل مدمِّر في واقعنا اليوم. وإِنها مسؤولية كل مسلم أَن ينهض لعلاج هذا المرض القاتل في الأُمة. إنها مسؤولية البيت والمعهد والدعاة والعلماء وأُولي الأمر.

وإن هذا المرض القاتل لا ينحصر شرّه في القطر الواحد أَو الأُمة المسلمة وحدها. كلاّ ! إِنه خطر يهدد حياة الإنسان والبشرية كلها على الأرض. إِنّه الداء الذي يثير الأَحقاد الباطلة بين الشعوب، حتى يصبح كلُّ شعب لا يرى الحقَّ إلا في مصالحه الظالمة وأطماعه العدوانية، فتثور الحروب وتلتهب الأرض بنارها. ويفقد الناس الأمن والعدالة والحرّية الكريمة. وتضطرب الموازين بأيدي الناس حتى يظلم بعضهم بعضًا. وينهب بعضهم بعضًا، وتصبح تعبيرات هيئة الأُمم المتحدة ومؤسساتها، ومجلس الأَمن وقراراته، والنظام العالمي الجديد وزينته، وحقوق الإِنسان ولجانها، وكل ما شابه ذلك، كل هذا يصبح أَداة استغلال فاسد لتنفيذ جريمة هنا وجريمة هناك، يكون من أول ضحاياها دعاة العصبية الجاهلية أَنفسهم، أو الذين رضُوا وسكتوا عن باطلها، في أَجواء الهوان والضعف، أَو أَجواء العاطفة غير الواعية، العاطفة التي تشدّها الزخارف الكاذبة فتنسى جوهر الحق وعدالة الميزان. وتنسى أَمر الله وشرعه ومنهاجه !

ونستطيع أَن نوجز هذه العصبيات الجاهلية أو نعدّد بعض مذاهبها ونماذجها في واقع المسلمين اليوم، وفي واقع البشرية كذلك، على النحو التالي:

ـ العصبية للذات وما تحمل من كبر وغرور وإِعجاب بالنفس.

ـ العصبية للأُسرة والزوجة والأَبناء، وللأَرحام والعائلة، وإيثارهم بالباطل وتأييدهم على الظلم.

ـ العصبية للأصدقاء والافتئات على حقوق الآخرين ظلمًا وعدوانًا.

ـ العصبية للحيّ أَو المدينة حتى يكاد القطر الواحد يتفتّت نتيجة لذلك.

ـ العصبية للجماعة أَو الحزب أو أَي تجمّع حتى يصبح اسم الجماعة أَو الحزب أو التكتل ينال الولاء الأَعلى والنصرة الأَشد. فتتطاحن الجماعات وتُسدّ أَبواب اللقاء.

ـ العصبية للقطر أَو الإِقليم حتى تصبح الوطنية الإقليمية هي التي ترسم الدرب والنهج، والعلاقات والأَهداف، وهي التي يدور حولها الأَدب والفكر والعاطفة والولاء. وتتمزّق الأُمة وتتناقض مصالحها، فتتصادم وتفترق، أَو تتعاون وتلتقي، على أساس مصالح متبدِّلة ومطامع لا تخضع لميزان عادل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت