فهرس الكتاب

الصفحة 8861 من 27345

ـ العصبية القومية التي ترى نفسها أَعزَّ من غيرها بجنسها ودمها. وتتفاضل الشعوب عندئذ بضلالة الأجناس والدماء في دعوى جاهلية باطلة يحرّمها الإِسلام، فتُسدُّ بذلك أَبواب تلاقي الشعوب والأجناس على غير الخير والحق في منهاج ربّاني كامل. ولا يعود التنافس على خير، ولكن على شر وتحاسد وفتنة ومظالم. وتسود شريعة الوحوش تحت رايات الحضارة الكاذبة، وتلتهب الأرض فتنة وحروبًا ودمارًا.

وتأخذ هذه العصبيات في واقع المسلمين وواقع البشرية عامة صورًا وأشكالًا متعددة. ولكنها تظل في جميع صورها تحمل المظالم والفتنة والفساد في حياة الناس ! ومسؤوليتنا أَن نكشف هذه الصور المتعددة في كل واقع حتى تتمَّ معالجتها.

إِنها إِذن مهمة المسلم ومهمة الأُمة المسلمة كلها أَن تحارب هذه الفتنة في الأرض، وتدفع عن الناس شرَّها وفتنتها. ومن هنا تتضح لنا واحدة من أَهم مسؤوليات الدعوة الإِسلامية والأَمة المسلمة على مدار العصور، حتى توفّر للبشرية أَجواء الأمن الحقيقي والعدالة الصادقة والسلام العزيز على ميزان رباني أَمين.

ومن هنا ندرك البعد الإنساني للدعوة الإسلامية ودورها الهام في بناء فكر الإِنسان وعاطفته وولائه، وتوجيه جهده وعطائه.

إِن تحقيق هذه المهمة العظيمة، أو معالجة هذا الداء الخطير لا يتمّ بكلمة نلقيها ثم نمضي. إِنها تتمّ من خلال مناهج تفصيلية تطبيقية تحمل العلم والنهج والتدريب، وتحمل معها الرعاية الحانية والإِشراف، والتعهّد والمراقبة، والتوجه الدائب والنصح الأَمين.

وإِن"المنهاج الفردي" (8) بنظريته وصورته التطبيقية العملية، و"منهج لقاء المؤمنين" (9) كذلك بنظريته وصورته التطبيقية العملية، رَاعيَا هذه الناحية لِيُوفِّرا أوسع الأَساليب النظرية والتطبيقية لمعالجة هذه القضية وغيرها. وكذلك ميزان المؤمن الذي يقوم أولًا على صدق الإيمان والتوحيد وصدق الولاء والوفاء بالعهد كما أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز"وأوفوا بعهد الله إذّا عاهدتم.."!

ولكن يظل للجهد البشريّ المبذول، ومدى التزامه الخطة والنهج، ومدى تفاعله ووعيه لذلك، ومدى صدقه وبذله وعطائه، سيظل لهذا كله دور رئيس في نجاح الخطة وبلوغ الهدف. وقبل هذا كله تكون هداية الله هي العامل الأَول. فالأَمر كله لله. ولكننا نبذل الجهد ليستوعب وسعنا وطاقتنا عبادة لله واستجابة لأَمره وطاعة له.

ومن خلال"المنهاج الفردي"و"منهج اللقاء"يمكن معالجة سائر العيوب والأخطاء والعلل والأَمراض، على قدر ما يصدق الداعية بالالتزام بالنهج، وبوعيه للنهج، وعلى قدر وفائه بالأمانة في عنقه، وما يبذل من رعاية ومتابعة، وتدريب وإِعداد، ونصحٍ لله ولرسوله ولكتابه ولأَئمة المسلمين وعامَّتهم.

ومن المناسب أن نذكِّر أَنفسنا، وأَن نعيد ونكرر، أَنَّ الإسلام يحترم الروابط والعلاقات التي شرعها الله بين الناس على أَن يصوغ الإسلام هذه الروابط كلها لتكون"روابط إِيمانية". وعلى رأس هذه الروابط الإيمانية أُخوة الإِيمان، أُخوة الإِسلام، الأٌخوة في الله كما صاغها منهاج الله.

ولكنّ هذه الأُخوة في الله يتعذَّر تطبيقها في واقع الناس إِلا إِذا كان الولاء الأَول والأَكبر، الولاء الواعي الصادق، هو لله. ومن هذا الولاء ينشأ كل ولاء آخر، ومنه تنشأ الموالاة بين المؤمنين، ومنه ينشأ الوفاء بالعهد الحق. فإذا اضطرب الولاء لله اضطربت الموالاة بين المؤمنين وانحرفت لتصبح موالاة تجمعات وأحزاب تفرّق المؤمنين ولا تجمعهم، وتصبح صورة من صور العصبيات الجاهلية، ويتعذّر عندئذ الوفاء بالعهد الرباني ويضطرب السمع والطاعة وتختلط الأمور.

والموالاة بين المؤمنين ليست قضية مودة وعاطفة فحسب، ولكنها مسؤولية والتزام، وحقوق وواجبات فصّلها منهاج الله، وهي عهد مع الله من المؤمنين جميعًا ليكونوا أمّةً واحدة.

ولعله يجدر بنا أَن نورد بعض النصوص من منهاج الله لتذكرنا بحقيقة الروابط الإِيمانية: ( إِنما المؤمنون إِخوة... )

[ الحجرات: 10 ]

( يا أيها الناس إِنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )

[ الحجرات: 13 ]

( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثمّ لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون... )

[ الحجرات: 15 ]

( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أُولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم )

[ التوبة: 71 ]

( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون )

[ المائدة: 55، 56 ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت