فهرس الكتاب

الصفحة 1368 من 27345

وقد انتفع الصحابة - رضي الله عنه -من موعظة النبي صلى الله عليه وسلم لهم، ورسخت فيهم هذه القاعدة فكانوا لا يسألون أحدا شيئا، كما مر معنا في حديث عوف وثوبان .. جاء حكيم بن حزام فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، فقال:

- ( يا حكيم! إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس، لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع.. اليد العليا خير من اليد السفلى) . قال حكيم:"فقلت:"يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، لا أرزأ أحدا بعدك شيئا، حتى أفارق الدنيا". فكان أبو بكر يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا، فقال:"إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه،"، فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي (8) ."

ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأمرهم بما يأمرهم به إلا ممتثلا قولا وعملا لما يدعو إليه، وذلك كان له أبلغ الأثر في قلوبهم وسلوكهم، ففي رحلة الهجرة قدم له أبو بكر راحلة ليركبها فأبى إلا بالثمن (9) .

ومن هنا فلقد تربى الصحابة على سؤال الخالق وحده وترك سؤال المخلوق، ولو كان هذا المخلوق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكونوا يسألونه شيئا من أمر الدنيا، بل كانوا يسألون الله تعالى ويطلبونه قبل كل شيء.

-لما نزلت براءة عائشة قالت لها أمها:"قومي إلى رسول الله"، قالت:"والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي" (10) .

-ولما نزلت توبة كعب بن مالك جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:"أمن عندك أم من عند الله"؟، قال:"لا، بل من عند الله" (11) ..

لم يغضب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا السؤال، ولم يعد موقفه وموقف عائشة رضي الله عنهما من سوء الأدب، لأنه هو الذي رباهم على هذه القاعدة، التي هي من أصول الدين، وليس في ذلك سوء أدب، بل هو الأدب كله مع الله تعالى، حيث لا ينبغي لأحد أن يقدم على حق الله تعالى حق أي من البشر، ولو كان نبيا.

ولقد كان الأصل في كبار الصحابة - رضي الله عنهم- أنهم لا يسألون رسول الله عليه وسلم شيئا لأنفسهم، هذا في أمور دنياهم، أما في أمور دينهم فقد كانوا ينتظرون ما يأتي به، ولم يكونوا يتقدمون بين يديه، وكان من أدبهم أنهم لم يسألوه إلا أربع عشرة مسألة كلها في القرآن كقوله تعالى: { يسألونك ماذا ينفقون..} ..

نعم قد كان بعض الصحابة الذين لم يلازموا رسول الله الملازمة الكاملة يسألونه شيئا من أمور الدنيا، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يترفق بهم، ويربيهم، ويدلهم على الأحسن والأفضل..

-عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أدع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت لك، وإن شئت صبرت فهو خير لك".

فخيره بين أمرين ورغبه في الصبر، ووصف ذلك بأنه خير له من دعائه له، لكنه قال: ادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن الوضوء، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء:"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد! إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، لتقضى لي، اللهم فشفعه في" (12) . رغبه في دعاء الله والالتجاء إليه وحده، لكن لما أصر على دعائه له، علمه شيئا فيه خير له، فأمره بالدعاء مع دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له، وهذا فيه غاية النصح، حيث علمه أن يرغب إلى الله، ولا يكتفي بدعاء أحد له، ولو كان هذا الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

-ومثل هذا أن امرأة كانت تصرع فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو لها، فقال لها:"إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك" (13) ، وهذا أيضا في نفس المعنى، خيرها بين الدعاء وبين الصبر، وجعل صبرها ورغبتها إلى الله تعالى خير من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لها.

ومثل هذا كثير، في كل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على تعليق قلوب الصحابة بالله تعالى بالسؤال والرغبة، ويصرفهم عن سؤال غيره مهما كان شأنه، ولولا أنه من أصول الإيمان والدين لما اعتنى به هذه العناية.

وبعد: فقد رأينا كيف حرص الشارع على ترسيخ هذه القاعدة في نفوس الناس، والدارس المتعمق لهذه القضية في النصوص الشرعية وأحوال الرسل والأنبياء لا يتردد لحظة أن يخرج بقاعدة مفادها أن:

"أصل التوحيد سؤال الله تعالى، وأصل الشرك سؤال غير الله تعالى"

تشرب الصحابة تلك القاعدة العظيمة، فتلاشى من بينهم التنازع والتناحر على الدنيا، وأخلصوا عملهم لله تعالى، وكان ذلك من أهم أسباب ثباتهم على دينهم من بعده: لما مات قام تلميذه الأول أبو بكر في الناس خطيبا فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت