لقد عرّفهم مثلا أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة ، وأن قضاء الحاجة في ظل الأشجار أو في الماء الراكد تصرف آثم ، وأن الرأفة بالحيوان مما يقرّب العبد من ربه ويُجْزَى عليه خير الجزاء ، وأنه لا يليق بالمسلم أن يترك أسنانه دون تسويك أو شعره دون تمشيط أو ملابسه دون عناية وتنظيف ، وأن عليه الاحتراز من أن يؤذى الآخرين بشىء من هذا .
ولقد بلغ الأمر في هذا المجال أن جعل الإسلامُ النظافةَ ركنا أصيلا من أركان الإيمان مما لا نعرف له مثيلا في غيره من الديانات . كما نبّه معتنقيه إلى أهمية احترام خصوصية الآخرين فلا يدخلون بيوتا غير بيوتهم قبل أن يستأذنوا أصحابها ويؤذَن لهم ، وأوجب على الخدم والأطفال أيضا ألا يقتحموا غرف نوم الآباء إلا بعد الاستئذان ...إلخ ... إلخ إن كان لذلك من آخر .
أترى ببغاواتنا المنخوبة العقل والكرامة والضمير ستقول إن هذه أيضا بداوة وقبلية وتخلف ؟ والله رب محمد ما متخلف إلا لَعَقَة فضلات الغرب وزُبالتِه!
وأخيرا نختصر الكلام اختصارا ونقول: أَوَ لَوْ كان الإسلام فكرا بدويا قبليا متخلفا كما تردد الببغاوات أكان العرب البدو يتحزبون ضده ويناصبونه حربا دموية لسنوات وسنوات وينفقون في معاداته النفس والنفيس ولا بؤمنون به إلا بعد جولات وجولات من المعارك الطحون بينهم وبين النبى عليه الصلاة والسلام ؟
ألم يكن المنطقى أن يسارعوا إلى الإيمان به والدخول فيه ما دام يعبر عنهم ويؤكد ما يعتنقونه ويتمسكون به من عقائد وعادات وتقاليد؟ لقد عرضوا بالعكس من ذلك على النبى أن يبذلوا له ما يريد من مال ومنصب ورئاسة لقاء الرجوع عما جاءهم به والرضا بالأوضاع السائدة ، لكنه رفض ذلك أيما رفض وآثر أن يمضى في طريقه مع ما يجره ذلك عليه من أذى وترويع وأخطار وفقدان للأمن واحتمال فقدان الحياة أيضا .
ترى لم وقع منه ومنهم هذا كله لو كان الذى أتاهم به ليس شيئا آخر غير الذى كان عندهم ؟ فليجب الحمقى من ببغاواتنا ، أو بالأحرى فليجب من يكلفونهم بهذه المهام القذرة التى تناسبهم ثم يَبْقَوْن في الظلام يرقبون الموقف ويفركون أيدهم حبورا بالخيبة القوية التى جَرّوا إليها فريقا من أبناء المسلمين