فهرس الكتاب

الصفحة 25973 من 27345

هذه هي الحقيقة الثانية:"لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ"، حقيقة مرتبطة بما قبلها أن بعث الله في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت !

وجاءت هذه الرسالة الخاتمة كاملة تامة جامعة:

( .... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلامَ دِينًا )

[ المائدة: 3 ]

فالدين عند الله واحد ، هو الإسلام:

(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)

[ آل عمران: 19 ]

من هذه الحقائق ينطلق الحوار ، وكلّ حوار . ولكن القضيَّة لا تقف عند هذه الحقائق ، فإنَّها تمتدُّ إلى الذين يحاورون ، ومدى إيمانهم بقضيتهم ، ومدى علمهم بها وفهمهم لها ،ومدى صدق ممارستهم لها في الواقع ، حتى يرى الناس الإسلام وحيًا منزلًا من عند الله ، كتابًا يُتْلى ، ويرونه أيضًا سلوكًا مطبّقًا في واقع الحياة ، فيكون العلم والممارسة في الواقع الحجّة الكبرى في الدعوة والبلاغ ، حين يرى الناس الحقَّ صدقًا يمارس وخيرًا يفيض ونورًا يمتدُّ .

لقد كانت هذه القاعدة أساسًا في دعوة محمد r أن رأى الناس الدعوة بيانًا وممارسةً ، ممارسةً في جميع ميادين الحياة على تكامل وتناسق . لقد كان هنالك دعوة جليةٌ ، وكان الحوار دعوةً وبلاغًا ولم يكن جدلًا أو تنازلًا .

هذا الدين الإسلامي الذي جاء من عند الله حقًا كاملًا لا باطل معه أبدًا ، جاء للعالمين:

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ) [ فصلت: 41-43 ]

من هذا التصور الذي بيّنه كتاب الله وسنَّة نبيّه r نرى بوضوح صفاءَ الإنسانيّة بأجلى معانيها ، حتى يتأكَّد الإنسان أنه لا مجال للإنسانيّة خارج هذا المنهاج الربَّاني . ويرى بجلاء سموّ العدالة في التشريع والتطبيق ، ويرى الحريّة الكريمة التي لا تعتدي على حقوق الآخرين ، ويرى حقوق الإنسان ليست شعارًا فحسب ، ولكنها معاملة وممارسة حقيقية في ميادين الحياة كلها حتى يؤمن أنه لا يمكن أن تقوم عدالة وحريّة أمينة وحريّة صادقة خارج هذا الدين .

كلُّ من يدرس منهاج الله سيرى الحقَّ وجلاءَه في آياته البينات وأحاديثه الشريفة ، وسيرى أنه منهاج حياة متكامل تام لكل عصر ولكل مكان ولكل واقع ، ولكل شعب أو أمة تريد الحياة الطاهرة الأمينة .

إنه من عند الله العزيز الحكيم ، فلا يمكن أن يرقى إليه تشريع البشر مهما حملوا من ثقافة أو علم أو مواهب . ولأنه الحقّ لا بدَّ أن يتصدَّى له المجرمون في الأرض والمفسدون الذين لا يريدون الحق ولا العدالة ، ولكن يريدون الأهواء والشهوات ، والإباحية في الجنس ليسمّوها حريّة ، حتى إذا انتشرت الأمراض بسبب الفجور الجنسي لم يردعهم ذلك عن باطلهم ، بل يمضون ويزدادون فجورًا، حتى ينزل عقاب شديد من عند الله .

واقع البشرية كلها اليوم خطير يهدّد بكوارث وفتن وأمراض . واقع المسلمين خطير كذلك ! فإذا أردنا إصلاح واقع المسلمين ، وإصلاح واقع البشرية، فليس هناك من حلٍّ عمليٍّ عادل إلا الإسلام كما أُنزل على محمد r، وكما جاء في الكتاب والسنَّة باللغة العربية بيانًا ميسّرًا معجزًا لا يستطيع أحد أن يبلغ مستواه.

ولا يوجد أمام البشرية كلها أي حلٍّ للإصلاح إلا الإسلام . ولكن هناك عقبات أمام ذلك . عقبات من غير المسلمين وعقبات من المسلمين . والعقبات من المسلمين أعظم خطرًا .

حتى يبرز المسلمون أنَّ الإسلام هو سبيل الإصلاح للفرد والشعب والبشريّة يجب أن يُقدّموا الإسلام للناس كاملًا كما أُنْزِل على محمد r ، بينًا جليًا دون تبديل ولا تحريف . ويجب في الوقت نفسه أن يُبْرِزوا الإسلام ممارسة وتطبيقًا في واقع الحياة ، حتى يصدق البلاغ والدعوة والحجّة على الناس . يجب أن نقدِّم الإسلام بلاغًا وبينًا صادقًا صافيًا ، ونقدّمه نموذجًا حيًّا في ممارسةٍ إيمانيّة، حتى يرى الناس الإسلام بيانًا وعملًا .

ولما برز الإسلام بعد فتح مكة دولةً قوية تعرض الإسلام عدلًا ورحمةً وسياسةً واقتصادًا وحريّة منضبطة غير متفلتة ، وحقوقًا للناس ومسؤوليات محدّدة في شرع الله ، وقضاء وحكمًا وتنفيذًا لحدود الله وشرعه كله ، ولما رأى الناسُ الدعاةَ يُبلّغون ما أُنْزِل من عند الله لا يحرّفون ولا يبدِّّلون ، أقبل الناس على الإسلام أفواجًا وأفواجًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت