(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) [ النصر: 1-3]
يجب أن يكون البلاغ صادقًا والممارسةُ صادقةً حتى تقوم الحجّة على الناس بأنَّ الإسلام هو الحلّ . وإلا سيبقى قولنا:"الإسلام هو الحل"شعارًا كسائر الشعارات التي تدوّي في واقعنا ولا تجد لها رصيدًا في الواقع .
نحن المسلمين اليوم أخطأنا في البلاغ وأخطأنا في الممارسة والنموذج . فعلينا أن نراجع أنفسنا قبل أن نحاسب غيرنا .
من حيث البلاغ لم تبلّغ الإسلام كما أُنْزِلَ على محمد r . لقد وقع تبديل وتحريف صريح غطَّى عليه ضجيج كبير . لقد حاول الكثيرون أن يعلنوا مبادئ نسبوها إلى الإسلام والإسلام منها بريء ، وكأنهم يريدون مسايرة الغرب فيما يدّعيه من ديمقراطية وحريّة متفلّتة وعدالة غير قائمة ومساواة لا تتجاوز المساواة بين الضحايا في التعذيب ، والأموات ، وقد لا تقع المساواة . إن ضغط الغرب علينا بإعلامه المدوّي وشعاراته المدويّة وأجهزته ورجاله وتابعيه خلَّف آثارًا واسعة في واقع المسلمين . الأمثلة كثيرة بتغيير النصوص والأمثلة أكثر بالاجتهادات المبنية عليها . نضرب مثلًا واضحًا لنبيّن ما نرمي إليه .
يقول الأستاذ أحمد قائد الشعيبي في كتابه:"وثيقة المدينة ـ المضمون والدلالة". أما بالنسبة لغير المسلمين فأساس المواطنة هو"الولاء للدولة الإسلامية عن طريق العهد ، لأن حق المواطنة لا يستلزم وحدة العقيدة ولا وحدة العنصر".
ولكن الكاتب لم يذكر أنَّ حق المواطنة في الإسلام لا يحدّد الحقوق والواجبات . فالحقوق والواجبات تتحدّد بشرع الله ونصوصه الثابتة ، شرعًا عادلًا ونصوصًا عادلة ، ولو خالفت منطق الديمقراطية والعلمانية . الناس في الإسلام متساوون أمام الشرع ، يطبّق الشرع على جميع المواطنين ، كما أُنْزِل من عند الله، ليأخذ كلٌّ حقَّه ، ويلتزم مسؤوليته ، وقد تختلف الحقوق والمسؤوليات ، وهي مختلفة حقًا .
ثمَّ يقول الكاتب ليثبت صحة رأيه: قال r:"لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم". ويشير في الهامش إلى تخريج الحديث كما يلي: ابن حبان ، محمد بن حبان بن أحمد ، الصحيح ، تحقيق شعيب الأرناؤوط ط 2: 13/215 ، حديث: 5895 . وعندما تفتح صحيح ابن حبان ج13 ، ص: 215 / حديث 5895 نجد ما يلي:
عن أنس بن مالك أنّ رسول الله r قال: ( أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله ، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله ، واستقبلوا قبلتنا ، وأكلوا ذبيحتنا ، وصلوا صلاتنا ، فقد حَرُمَت علينا دماؤهم وأموالهم ، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ) .
وفي تعليق المحقق الأستاذ شعيب الأرناؤوط يقول: صحيح على شرط الشيخين ، وأخرجه النسائي 7/67، 8/109 ، وأخرجه أحمد: 3/199 ، 244 - 225 ، والبخاري 392 في الصلاة ... ، وأبو داود 2641 في الجهاد ، والترمذي 2608 في الإيمان ، وأبو نعيم في الحلية 8/173 ، والخطيب في تاريخه 10/464 ، والبيهقي 2/3 ...."!"
ومع انتشار هذا الحديث الشريف الصحيح وتكراره في هذه الكتب ، لم يتردَّد المؤلّف في أن يحذف معظم الحديث ، ويقتطف آخر جملة مجزوءة ، فقلب المعنى والحكم الشرعيّ ، وبدَّل وغيَّر بصورة لا تحلُّ أبدًا .
وهذه الصورة التي يعرضها الحديث الشريف بكامله تتكرر في أحاديث شريفة أخرى وفي آيات كريمة . وحسبنا أن نشير إلى الآية الكريمة ( 11 ) من سورة التوبة:
(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )
[ التوبة: 11 ]
نعم ! جعل الإسلام لأهل الكتاب أن يقيموا في دولة الإسلام ، ولهم حقوقهم كما بيّنَّها منهاج الله ، ولهم حق ممارسة دينهم ، وحق حمايتهم ، ولكن ليس لهم ما للمسلمين ولا عليهم ما على المسلمين .
لقد فرَّق الإسلام وشرعه في الحقوق والواجبات بين المؤمن وغير المؤمن، وحدَّد بوضوح حقوق كلِّ طائفة ومسؤولياتها . وحتى في وثيقة المدينة جاء التأكيد على ذلك . ففي البند (1) : ولا يَقْتُل مؤمنٌ مؤمنًا في كافر ، ولا ينصر كافرًا على مؤمن . والبند (15) : وأنَّ ذمَّة الله واحدة يجير عليهم أدناهم ، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس . والبند (2) : وأنَّ المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه . والبند (23) : وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإنَّ مردَّه إلى الله عزَّ وجل وإلى محمد r .