فهرس الكتاب

الصفحة 25975 من 27345

ولا بدَّ أن نتذكّر أن هذه الوثيقة كانت تمثل مرحلة خاصة من مراحل الدعوة الإسلاميَّة ، فبعد أن نزل القرآن الكريم وتمّت السنة المطهرة ، أصبح الكتاب والسنة هما مرجع المؤمنين إلى يوم القيامة . ومع أن الوثيقة أعطت لليهود حقوقهم في ممارسة دينهم ، وأنهم يؤلفون مع المؤمنين أهل المدينة ، إلا أن الشرط الرئيس أنَّ الإسلام هو الذي يحكم . وما لبث اليهود أن غدروا وخانوا ونبذوا العهود ، فنزل في حقِّهم ما نزل في كتاب الله .

ويعيد هذه المقولة المجزوءة:"لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم"، المستشار سالم البهنساوي في كتابه:"قواعد التعامل مع غير المسلمين"حيث يقول في ص:"12":"لهذا كانت القاعدة في التعامل بين المسلمين وبين غيرهم من رعايا الدولة الإسلامية هي:"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"! ويشير في الهامش إلى المصدر"بدائع الصنائع للكاساني ج 7 ص 100 ، وأحكام أهل الذمَّة لابن القيم تحقيق د . صبحي الصالح: ص: 48 .

أعجب إذا كان الأمر كما ذكر الأستاذ البهنساوي من أنَّ القاعدة في التعامل مع غير المسلمين هي ما ذكره ، فلماذا جاءت الآيات الكريمة في كتاب الله خالية من هذا النص . ولماذا يلجأ إلى بدائع الصنائع للكاساني بدلًا من أن يلجأ إلى الكتاب والسنَّة ، ولماذا لا يذكر النصّ الكامل من تلك المراجع التي ذكرها ، حتى لا يكون هنالك خطأ كما حدث مع الأستاذ أحمد قائد الشعيبي .

ولكن الأستاذ البهنساوي يعود ويناقض نفسه في كتابه حين يذكر بعض الرسائل التي وجهها رسول الله r إلى بعض الملوك والرؤساء . ففي رسالته إلى هرقل جاء فيها:"من محمد رسول الله إلى صاحب الروم . إني أدعوك إلى الإسلام فإنْ أَسْلَمتَ فلك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ...."! فهنا جاء النصّ واضحًا صريحًا كما جاء في الحديث الشريف وفي صحيح ابن حبان . جاء النصّ هنا يقرّر:"فإن أسلمتَ ..."! وهذا مطابق لجميع الأحاديث والآيات . فما هو الهدف أو المصلحة في تغيير النصوص ، ولماذا يريد بعض المسلمين اليوم أن يخالفوا أمر الله وأمر رسوله فيدَّعون أن الإسلام ساوى في الحقوق والواجبات بين المسلم وغير المسلم ؟!

والمؤسف أنه مع انتشار هذه الأفكار وتوافر دعاة لها أخذت تتردَّد على ألسنة عدد من الدعاة المسلمين في أقطار مختلفة . وقد أعلن هذه القاعدة المخالفة للكتاب والسنَّة داعية كبير في بيان عام له .

نخلص من ذلك إلى أنَّ الإسلام يفرض على كلِّ مواطن أن يخضع لحكم الإسلام إلا فيما يتعلَّق بأمور دينهم . ويبيّن الإسلام حقوق كلِّ طائفة بصورة مفصَّلة حتى لا تختلط الأمور . ويفرض على المسلمين المضيّ في تبليغ دعوة الله إلى غير المسلمين المقيمين مع المسلمين ، والذين هم خارج دار الإسلام .

ونعتقد أن هذه هي القضيَّة التي أغفلها المسلمون الذين يدرسون هذه القضايا والذين يتابعون شؤون الإسلام .

فبالإضافة إلى أن تبليغ دين الله ، الإسلام ، إلى الناس كافَّة هو أمر من عند الله ورسوله ، أمرٌ تواترت النصوص على إثباته ، إلا إنه أمر تفرضه طبيعة الإيمان والإحسان . فالمسلم يؤمن أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من أحد دينًا غير الإسلام ، فمن مات على غير دين الإسلام هالك:

( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

[ آل عمران: 85 ]

فمن واجب المؤمن إذًا أن ينقذ الناس من هلاك محقّق ، أن يخرجهم من الظلمات إلى النور ، من جهنَّم إلى الجنَّة ، من الضلال إلى الهدى ، إذا لم يدخلوا في الإسلام . إنها مسؤوليّة المسلم المرتبطة مع سائر المسؤوليات التي كلَّفه الله بها .

ولكن على المسلم أن يحسن تبليغ الدعوة ويكسب القلوب إلى نور الإيمان وأن يدعو ويدعو بأطيب الأساليب ، والله يهدي من يشاء ويضلُّ من يشاء . وحتى تنجح الدعوة في تحقيق هدفها الرباني يجب أن يكون الداعية متمثَّلًا للإسلام ، واعيًا له ، أمينًا في البلاغ والتعهّد . عليه أن يدعو إلى الإسلام ، إلى الله ورسوله، لا إلى حزب أو جماعة ، أو آراء خاصة . عليه أن يبلّغ الإسلام كما أُنزل على محمد r ، ليكون المسلمون أمة واحدة ، تربطهم أكرم رابطة إيمانيَّة وأَعَزُّ من أي رابطة أخرى ، هي أُخوَّة الإيمان ، أخوّة الإسلام ، كما جاءت في الكتاب والسنَّة ، وليست الأخوة العائلية أو القومية أو الوطنيَّة . فقد صاغ الإسلام جميع هذه الروابط صياغة إيمانيَّة تنفي عنها العصبيات الجاهلية التي حرَّمها الإسلام ، وتجعلها روابط خير للبشرية كلها .

ونؤكد أننا لن نجد الإنسانية الصادقة ولا العدالة الأمينة ولا الحريَّة المنضبطة ، خارج الإسلام . إننا نجد خارج الإسلام عصبيات جاهلية ، وأهواء تتصارع ، ومصالح دنيوية تتصادم ، وفتنًا وفسادًا ، لن يستطيع الشعارات ودويُّها إخفاء فسادها وظلمها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت