3-يتجه الناس بسرعة نحو المخرج والفكاك من الأزمة، وأحيانًا تُوقِعُهم السرعة والعجلة في أزمة أخرى.. لهذا ينبغي أن تكون حلولهم مدروسة، وأطروحاتها معتدلة مع وعي كبير بتداعياتها على المجتمع.. ومع التأكيد على الأناة والتؤدة في التفكير والتخطيط للأزمة، يجب التأكيد على السرعة والمبادرة في التنفيذ والعمل لتلك الحلول وهذه العلاجات.. وهذا هو دور أهل الحل والعقد من ولاة الأمر والعلماء الثقات في بيان الحل والمخرج من تلك الأزمات، ولا آكد من أهمية إرشاد الناس بالواقع الحقيقي للأزمة والموقف الصحيح منها، والمبادرات المطلوبة من الأفراد والمؤسسات تجاهها؛ لأن تأخير البيان عن وقت حاجته مدعاة للفتنة والبلبلة في الصفوف, كما أن البطالة والفراغ فيها قد تؤدي ببعض الناس إلى أنواع من الجدال والمراء والنقاشات والاختلافات الحادّة، وربما الاحتراب فيما بينهم أحيانًا.. كما ينبغي التأكيد الدائم على وحدة الصف وتماسك الجبهة الداخلية للمجتمع والاستعانة بأهل المشورة والرأي في الأمة، وليس من الحكمة تهميش أهل التأثير والقوى الفاعلة في المجتمع مهما بلغوا من الاختلاف والتضاد.. كما أن التشاغل أحيانًا بخطر الأزمة الخارجي يجب ألاّ يكون على حساب الوحدة الداخلية وضرورة تماسكها.. ولعل من فقه الأولويات، وفهم طبيعة المرحلة ألاّ تنشغل النخب، وتكرس دورها في بيان الأخطاء وتوجيه التهم لمن كان وراء هذه الأزمة، أو تلك حتى ولو كانت من باب المناصحة؛ لأن النظر إلى مآلاتها السلبية قد تفاقم الأزمة داخليًا، وتشتت الجهود المبذولة في دفع الخطر الخارجي أو تقليله.
4-من المقرر شرعًا أنه ليس في الدنيا شر محض كما أنه ليس فيها خير محض ..و (عسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا) ، وقد يكون في طرف الأزمات نوع من البشارات، والإنسان عبر تاريخه الطويل- لمن تأمل - يجد أن تقدُّمه ورُقيَّه في كثير من الأحيان كان نتيجة أزمة مرَّ بها في حياته, فتّقت ذهنه إلى الكثير من المخترعات والمكتشفات النافعة لحياة الناس ..
وبما أننا نعيش في عالم متغير متقارب كثير الاضطراب أصبحت أزماته السياسية لو قدّر حصولها في أقصى الغرب لتضوّر لها جوعًا من كان في أقصى الشرق، وربما يؤدي انهيار شركة ما أو إفلاسها إلى بطالة أو غلاء أو فقر في قطر آخر من العالم.. ولهذا فالأزمات تزداد كثرة وتعقيدًا مهما حاولنا الانعزال الصوري عنها ..
فالتوعية الدائبة والتربية المستمرة على كيفية التعامل الإيجابي مع الأزمات وخصوصًا في أوقات السلم والرخاء هو واجب المرحلة الراهنة للمؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية.. ومتى قامت هذه المؤسسات بدورها الوقائي فإننا سنخفف وبشكل كبير آثار الدعة والترف واللامبالاة التي أُصيبت بها كثير من مجتمعاتنا المعاصرة.
أما نُخبنا المثقفة فأتمنى أن يكون جوابهم حول السؤال المكرور عن الأزمات: ما هو المخرج من الأزمة؟ أن يتحوّل وينعكس إلى البحث عن المدخل في الأزمة. بكل صور الاستفهام المنطقي وأدواته.. عندها سوف نحدّد موقعنا ونعرف قوتنا ونأخذ عدتنا للمقاومة والتقدّم والارتقاء.