فمن ذلك قصة محمد القحطاني في فتنة الحرم عام 1400 هـ حيث تواترت الرؤى بأن محمد بن عبد الله القحطاني هو المهدي وهي رؤى كثيرة ؛ ثم في آخر الأمر قتل هذا الرجل وعرف الناس أنه ليس المهدي ، وإن كان أهل العلم قد عرفوا ذلك من قبل .
ومهما حاول البعض أن ينفي وجود التواطؤ في هذه الرؤى فإنه لم يصنع شيئًا ؛ لأن تلك المنامات قد اشتهرت ، والقول بأنها لم تصل إلا إلى بضع عشرة ، وفي أقصى احتمال أنها أربعون ، قد خالفه آخرون فقالوا: إنها كانت أكثر من ذلك ؛ ثم بضع عشرة رؤيا ألا تعتبر تواترًا ، فضلًا عن أربعين رؤيا ؟! .
وأما القول بأن ما وقع من تلك الرؤى قد يكون من حديث النفس فلا عبرة به ، وإنما العبرة بالتواطؤ في الرؤى التي ليست من هذا القبيل ، فهذا هروب لا يفيد شيئًا، إذ هذه دعوى تحتاج إلى دليل، فأهل ذاك الزمن كانوا يجزمون أنها ليست من حديث النفس؛ ثم من يضمن لنا أن تواطؤ الرؤى الآن ليس من قبيل حديث النفس؛ بل ومن وسوسة الشيطان وحِيَلِه؟! ؛ ثم على كل الأحوال هو اعتراف بأن التواطؤ في الرؤى قد يعتريه ما يمنع الأخذ به، ولذا فلا يمكن الركون إليه، حتى على القول بأهميته .
وفي أفغانستان كثرت الرؤى بأشياء كثيرة وانتصارات ، ولم يحصل من ذلك شيء ، وقد كنت أقول للبعض: إن تحزين الشيطان بالرؤيا قد يكون بمثل هذه الرؤى ، إذ يتعلق الناس بها ويعلقون كل آمالهم عليها ، وبعد ذلك لا يرون شيئًا ، فيقع الحزن ؛ بل والشك في نفوسهم ، وهذا من أعظم ما يفرح به عدو الله إبليس ، نعوذ بالله منه ومن وساوسه .
5 -على فرض التسليم أن التواطؤ دال على صدق الرؤيا، وأن التواطؤ حصل في بعض الرؤى التي تذكر هذه الأيام ، فها هنا ثلاثة أسئلة مهمة:
أحدها: هل هذه الرؤى فيها تحديد زمان بعينه ؟
إن المتتبع لرؤى الصالحين ؛ بل وحتى الأنبياء-عليهم السلام-لا يجد تحديدًا إلا في القليل منها ، فمثلا رؤيا يوسف-عليه السلام-المذكورة في أول سورة يوسف: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) (13) ، لم تتحقق إلا بعد سنوات طويلة ، ولم يكن يعلم بذلك ولم يكن في الرؤيا دلالة عليها .
قال ابن حجر في الفتح (14) :واختلف في المدة التي كانت بين الرؤيا وتفسيرها , فأخرج الطبري والحاكم والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن سلمان الفارسي قال"كان بين رؤيا يوسف وعبارتها أربعون عاما"وذكر البيهقي له شاهدا عن عبد الله بن شداد وزاد"وإليها ينتهي أمد الرؤيا"وأخرج الطبري من طريق الحسن البصري قال: كانت مدة المفارقة بين يعقوب ويوسف ثمانين سنة وفي لفظ ثلاثا وثمانين سنة , ومن طريق قتادة خمسا وثلاثين سنة , ونقل الثعلبي عن ابن مسعود تسعين سنة , وعن الكلبي اثنتين وعشرين سنة قال وقيل سبعا وسبعين , ونقل ابن إسحاق قولا أنها كانت ثمانية عشر عاما والأول أقوى والعلم عند الله ا.هـ
وكذلك رؤى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ كرؤياه أنه يهاجر إلى المدينة ، ورؤياه في البقر التي تذبح وغيرها ليس فيها إشارة إلى الزمن (15) .
نعم في رؤيا الملك):وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُون) (16) كان هناك تحديد للسبع لكن بدايتها ليست محددة فيما يظهر،وعلى كل حال فهذه من القليل التي فيها التحديد مع أن قياس غير الأنبياء على الأنبياء -عليهم السلام-غير صحيح ذلك أن تعبير الأنبياء حق وصدق ووحي بخلاف غيرهم ممن يخطئ ويصيب.
السؤال الثاني:أن التواطؤ إنما هو في غالب الأمر فيما يعتقده المعبِّر بتعبيره:
أي: ليست الرؤى تحكي مثالًا واحدًا يراه أولئك، أو يرون أمثلة متشابهة، وإنما يعتقد المعبّر أن تعبير هذه الرؤيا، خروج المهدي مثلًا، والرؤيا الثانية يعبرها بخروج المهدي، وإن كانت مختلفة، وهكذا الثالثة والرابعة، إلخ .
فنقول: هل تعبير المعبّر مجزوم بصدقه وإصابته؟!
لقد عبّر أفضل الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم وقد كان معروفًا بالتعبير وهو أبو بكر رضي الله عنه ، ومع ذلك لم يصب وأخطأ في تعبير تلك الرؤيا (17) . فما بالنا نجزم بتعبير هؤلاء المعبرين ؟ .
السؤال الثالث: وهو المهم هنا ، على فرض التسليم بأن للتواطؤ أثرًا ،وبأن بعض الرؤى قد تواطأت وفق الشروط المعتبرة ، ولزم من ذلك صدقها ، فهل يترتب على هذا أمر عملي ؟ وهل المسلم مطالب بأن يرتِّب خططه وإستراتيجيته بناءً على تلك الرؤيا ؟ ، وهل يترقب ذلك الموعود في الرؤيا ؟ .
أجيب عن هذا في الفقرة التالية .
هل يترتب على الرؤيا عمل ؟