فهرس الكتاب

الصفحة 6696 من 27345

وكان رجل من القراء الذين يجالسونه قد أصابته فاقة شديدة، فقالت له امرأته: إن أميرنا هذا يوصف بكرم -تعني سعيد بن العاص- فلو ذكرت له حالك لعله يسمح لك بشيء، فقال لها: ويحك لا تحلقي وجهي! فألحت عليه في ذلك فجاء فجلس إليه حتى إذا انصرف الناس مكث الرجل جالسًا في مكانه، فقال له سعيد: أظن جلوسك لحاجة؟ فسكت الرجل، فقال سعيد لغلمانه: انصرفوا، ثم قال له سعيد: لم يبق غيري وغيرك. فسكت الرجل، فأطفأ سعيد المصباح ثم قال للرجل: رحمك الله لست ترى وجهي فاذكر حاجتك. فقال الرجل: أصلح الله الأمير أصابتنا فاقة وحاجة فأحببت ذكرها لك فاستحييت. فقال له سعيد: إذا أصبحت فالق وكيلي فلانًا، فلمّا أصبح لقي الرجل الكيل فقال له الوكيل: إن الأمير قد أمر لك بشيء فأت بمن يحمله معك. فقال: ما عندي من يحمله، ثم انصرف الرجل إلى امرأته فلامها وقال: حملتني على بذل وجهي للأمير فقد أمر لي بشيء يحتاج إلى من يحمله، وما أراه أمر لي إلاّ بدقيق أو طعام، ولو كان مالًا لما احتاج إلى من يحمله ولأعطانيه، فقالت المرأة: مهما أعطاك فإنه يقوتنا فخذه، فرجع الرجل إلى الوكيل فقال له الوكيل: إني أخبرت الأمير أنه ليس لك أحد يحمله وقد أرسل بهؤلاء العبيد الثلاثة يحملونه معك، فذهب الرجل فمّا وصل إلى منزله إذا على رأس كل واحد منهم عشرة آلاف درهم، فقال للغلمان ضعوا ما معكم وانصرفوا، فقالوا: إن الأمير قد أطلقنا لك.

هذا سعيد بن العاص فلا غرو أن قيل فيه:

وأخبار سلفنا وعلمائنا في الجود والبذل كثيرة، فيها غنية عن أخبار حاتم وهاشم. يذكر بعض أهل السير أن ثلاثة نفر اختلفوا عند الكعبة في أكرم أهل زمانهم، فقال أحدهم: عبد الله بن جعفر، وقال الثاني: قيس بن سعد، وقال الآخر: عرابة الأوسي، فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة، فقال لهم رجل: فليذهب كل واحد منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه وليُحكم على العيان. فذهب صاحب عبد الله بن جعفر إليه فوجده قد وضع رجله في الغرز ليذهب إلى ضيعة له، فقال له: يا ابن عم رسول الله! ابن سبيل ومنقطع به، قال فأخرج الرجل رجله من الغرز، وقال: ضع رجلك واستو عليها فهي لك بما عليها، وخذ ما في الحقيبة، ولا تحد عن السيف فإنه من سيوف علي. فرجع إلى أصحابه بناقة عظيمة وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار ومطارف من خز وغير ذلك، وأجلّ ذلك سيف علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ومضى صاحب قيس بن سعد فوجده نائمًا، فقالت له الجارية: ما حاجتك إليه، قال: ابن سبيل ومنقطع به، فقالت: حاجتك أيسر من أن أوقظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم، واذهب إلى مولانا في معاطن الإبل فخذ ناقة وعبدًا واذهب راشدًا. فلمّا استيقظ قيس من نومه أخبرته الجارية بما صنعت، فأعتقها شكرًا على صنيعها ذلك وقال لها: هلاّ أيقظتني حتى أعطيه ما يكفيه أبدًا، فلعل الذي أعطيته لا يقع منه موقع حاجته.

وذهب صاحب عرابة الأوسي إليه فوجده قد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكأ على عبدين له - وكان قد كف بصره- فقال له: يا عرابة! فقال: قل، فقال: ابن سبيل ومنقطع به، قال: فخلى العبدين ثم صفق بيده باليمنى على اليسرى، ثم قال: أوه أوه، والله ما أصبحت ولا أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئًا، ولكن خذ هذين العبدين، فقال: ما كنت لأفعل، فقال: إن لم تأخذهما فهما حران، فإن شئت فأعتق وإن شئت فخذ. وأقبل يتلمس الحائط بيده، قال: فأخذهما وجاء بهما صاحبيه.

فحكم الناس أن ابن جعفر جاد بمال عظيم، وأن ذلك ليس بمستنكر له إلاّ أن السيف أجلها، وأن قيسًا أحد الأجواد الكرماء حكم مملوكته في ماله بغير علمه واستحسن فعلها وأعتقها شكرًا لها على ما فعلت، وأجمعوا على أن أسخى الثلاثة عرابة الأوسي لأنه جاد بجميع ما يملكه وذلك جهد من مقل.

وكذلك كان قيس بن عاصم بن سنان المنقري جوادًا ممدحًا كريمًا وهو الذي يقول فيه الشاعر:

هذه بعض الصور المشرقة، والنماذج الخالدة لأسلافنا، أسوتهم في البذل والإنفاق والجود والكرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود الناس.

سبقوا ثم سدوا طريق الاعتذار بأفعالهم العظيمة فلا سبيل لاعتذار غني أو مقل قدر عليه رزقه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صدق ولو بشق تمرة) . وأخبرنا كذلك أن الله يربي الصدقة لعبده كما يربي أحدنا فلوه حتى تكون كالجبل [حديث ابن عباس رضي الله عنهما رواه البخاري في كتاب بدء الوحي، ومسلم في الفضائل] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت