أخي الكريم: اعلم أن الناس متباينون في طبائعهم ، مختلفون في مداركهم ، في العلم والفهم ، في الأمزجة والمشاعر ، مختلفون في الميول والاتجاهات ، مما يدعو رجل العلم والدعوة إلى تخير المدخل … بل المداخل المناسبة لتلك النفوس المختلفة ، والعقول المتباينة .
نعم ، إن فيهم الغضوب والهادئ ، وفيهم المثقف والأمي ، وفيهم الوجيه ومن هو دونه ، فعلى الداعية الحصيف أن يراعي هذه الفروقات فينزل الناس منازلهم ، ويخاطب الناس بما يعقلون ، بل إن ثمت كلمة رائعة لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، يصف فيها القلوب ، كل القلوب بأنها وحشية تحتاج إلى تأليف وترويض فيقول: القلوب وحشية فمن تألفها أقبلت عليه وصاحب الترويض الناجح هو الذي يحرص على تلمس الجانب الطيب في نفوس الناس ، ويقصد في شيء من العطف على أخطائهم وغفلاتهم ، مقرونًا ذلك ببعض العناية بهمومهم واهتماماتهم ، وسوف يصل إلى مصدر النبع الخير في نفوسهم ، وحينئذ يمنحونه حبهم وثقتهم ، فـ"لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم" ( رواه البخاري )
أيها الأخ المبارك: قبل أن أودعك أحب أن أذكرك بمسألة مهمة ، وهي أن الكثير من الناس يظن أن الداعية لا يأمر إلا بالمعروف الذي يفعله ، ولا ينهى إلا عن المنكر الذي يجتنبه ، وهذا غلط بين ، بل الصحيح الذي دلت عليه نصوص لكتاب والسنة ، أن الإنسان يجب عليه أن يأمر بالمعروف ويدعوا إليه ، ولو كان مقصرًا فيه ، وأن ينهى عن المنكر ويحذر منه ولو كان واقعًا فيه .
ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب *** فمن يعظ العاصين بعد محمد
أخي العزيز: اعلم _ يا رعاك الله - إننا جميعًا دعاة إلى الله سبحانه وتعالى ، كل بحسبه ، وقدرته ، كل بطاقته ، وإمكاناته ، وقد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته معه بالدعوة إلى سبيله بالحكمة ، ومراعاة أحوال المدعوين ، ووعظهم بالتي هي أحسن ، وإن احتاجت الدعوة إلى مناظرة علمية ، أو مناقشة جدلية، أو خصومة فكرية، فعليه أن يناقش بهدوء، ويجادل بالحسنى ،فلا يغضب، ولا يتعجل، حتى يكسب الخصم ، حيث يقول سبحانه وتعالى [ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ] ( النحل 122 )
لفضيلة الشيخ / إبراهيم الفارس