فهرس الكتاب

الصفحة 6058 من 27345

والناس من أهل هذا الدين في هجر وإعراض عن هذا الذي كان عليه أهل هذا الدين حقًا، فهذه أمنا عائشة رضي الله عنها علمها في أسعار العرب لا يجهله عارف بسيرتها، وكذا حال طلاب الشعر من تلاميذ ابن عباس رضي الله عنه وكذا رجال الحديث وعنايتهم لجودة ألسنتهم من خلال حسن اللفظ من نثر وشعر، وهاهو الشافعي يمدحه عصريه الجاحظ مدحًا لا يقوم لغيره من أهل اللغة، وقد قال الأصمعي: أخذت شعر الهذليين من فتى في مكة يدعى محمد بن أدريس الشافعي.

وهذا كله جعل لعلومهم مع ما فيها من جودة الفهم وقوة الاستنباط وعمق الإدراك حسنًا آخر في صياغتها وأسلوبها.

ومقصد الآية هو التبيه على حسن القول، وهو دعوة قرآنية في كل باب من محادثة ومناظرة كما قال تعالى: {وجادلوهم باتي هي أحسن} وكذا في رد واعتراض كما قال تعالى {إدفع بالتي هي أحسن} لأن الحسن مطلوب في كل باب.

{إن الشيطان ينزع بينهم} هذا الصراع المتجدد والمتعدد، وهو الذي يقف عند حد ووقت، بل هو وقوف عند كل سبيل، وامتحان عند كل نفس، إنه الصراع بين العبودية لله -عبادي- وبين الشيطان، حتى في هذا النوع من المواقف هو موقف حرب وابتلاء وطعن، كما هو واضح في قوله تعالى {ينزغ بينهم} والنزغ هو الطعن، فتنبه لهذا لتعلم أي خطورة خلقت فيها، وأي شىء يراد منك وبك.

والآية تدل على أن الكلمة القبيحة الرذله هي سلاح من أسلحة الشيطان، وهي مركب من مراكب حربه للمؤمنين، وهي باب من أبواب ولوجه على الإخوان ليعمل عمله، فيبيض ويفرح وتنمو ثماره النجسه، فإن قال العبد لأخيه أو في حديثه ما ليس حسنًا حضر حينها الشيطان وأعمل عمله، والشيطان عدو، وبئس الرجل الذي يعطي عدوه سلاحا يضربه به ويهلكه، بل يجب عليه عداؤه ومحاربته، وأعظم ما يضيق على الشيطان ويخضل به هو حسن الإخاء بين المؤمنين، فقد قال صلى الله عليه وسلم"لقد يئس الشيطان أن يعبده المصلون لكنه التحريش بينهم". فتأمل كيف كانت المرتبه التي تلي الشرك من مطالب الشيطان هي إحداث العداوات بين المسلمين، وفساد ذات بينهم، وقطع أواصر الأخوة والمحبة التي تجمعهم.

ولما كان أمر النفس والهوى حاضرًا في المعصية ومع الشيطان كان أمر الكلمة الحسنة شديدًا على النفس، لأنها تحتاج إلى التواضع وخفض الجناح وذهاب حظوظ المرء، فنفس المرء تميل وتهوى الانتصار على الغير، والكلمة الحسنة لا بد فيها من قطع حظوظ النفس والهوى لما فيها من خفض الجناح وكسر تطلع النفس من الانتصار والغلبة.

وفي الآية دليل على أن الكلمة الحسنة هي مفتاح الخير بين الإخوان، وبها تجتمع القلوب وتأتلف فلا بد من تحريها والجهد في إصابتها ليقطع على الشيطان مراده.

وذكر الرب أمر النزغ هنا (وهو الطعن كما تقدم) تنبيه أن الكلمة السيئة هي آلة إبليس في حربه بين الإخوان وعلى المسلمين.

{أن الشيطان كان للإنسان عدوًا مبينًا} ، هذا هو علة الأمر الذي أرشد الله تعالى عباده إليه، وهو أن المرء والانسان هو في حالة عداء تام ومتواصل مع هذا المخلوق الحقيقي -الشيطان- وهو من الشطط وهو البعد عن رحمة الله تعالى وهدايته وتوفيقه.

فالعلة هي هذا العداء الذي فرضه الشيطان على خصمه، وهو الإنسان.

وانظر الى هذه الفاصلة القرآنية حيث جعل العداء مع جنس الإنسان، مع أن الآية كان خطابها لعباد الله تعالى، وفي هذا تحريض لجنس الإنسان أن يتنبه الى معيشه.. ومجال خصومه وأصحابه، فالشيطان هو عدو الإنسان وعداؤه بين واضح جلي ما لو عقل الإنسان هذا وصدق خبر العليم الخبير.

وعودًا على أهميتة حسن الخطاب وتحري أحسنه وأجمله الذي أمرنا الله تعالى به وحضنا عليه ونبهنا إلى أهميته، وفي ذلك يقول أهل المعرفة بهذا: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في وعظه أهل الجهل والمعاصي والرذائل واجب، فمن وعظ بالجفاء والاكفهرار فقد أخطأ وتعدىطريقته وصار في أكثر الأمور مغريًا للموعوظ بالتمادي على أمره لجاجًا ومردًا ومغايظة للواعظ الجافي، فيكون في وعظه مسيئًا لا محسنًا.

ومن وعظ ببشر وتبسم ولين وكأنه مشير برأي ومخبر عن غير الموعوظ بما يستقبح من الموعوظ فذلك أبلغ وأجع في الموعظة. فإن لم يتقبل فلينتقل إلى الوعظ بالتحشيم وفي الخلاء، فإن لم يقبل ففي حضرة من يستحي منه الموعوظ. فهذا أدب الله تعالى في أمره بالقول اللين، وكان صلى الله عليه وسلم لا يواجه بالوعظه لكن كان يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا. وقد أثنى عليه الصلاة والسلام على الرفق وأمر بالتيسير، ونهى عن التنفير، وكان يتحول بالوعظة خوف الملل وقال تعالى: {ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك}

وهكذا أخي الحبي، إجعل رسولك إلى أخيك كلمة حسن يجمع الله تعالى بها بين فلبيكما، وإياك ورسل وركائب الشيطان، فإنما هي أسلحته في التحريش بين الإخوان. والله الموفق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت