فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومهما يكن من أمر فإن انعكاس المبادئ والقيم الإسلامية الأساسية على النشاط الحضاري عبر نشوئه وتناميه، منحه خصائصه المتميزة. وهذا الانعكاس أو الارتباط المؤكد بين العقيدة والحضارة يمثل -ولا ريب- نقطة البداية الصحيحة في منهج دراسة حضارة الإسلام، وليس العكس كما توهم بعض الباحثين، فأوقعهم الوهم في جملة أخطاء، وقادهم إلى استنتاجات مضللة...
ويكفي أن نؤشر هنا على بعض ما قاله الباحثون الغربيون لتأكيد هذا الانعكاس.
وهذا التأكيد يُعدّ -ولا ريب- ضرورة علمية بسبب من صعوبة الفصل بين النشاط الحضاري الإسلامي عبر التاريخ وبين البيئة الإسلامية التي تشكّل فيها، وتلقى عنها مؤثراته وحوافزه ومكوناته. وما من ريب، استنادًا إلى هذا، في أن أي محاولة لتوهم فصل أو تعارض كهذا، إنما هو أسلوب مضلل في دراسة تراثنا الحضاري، ولن تكون نتيجته سوى حشود من الأوهام والأخطاء التي تنافي روح البحث العلمي الجاد.
فما الذي يقوله"الغير"بهذا الخصوص قبل أن يقوله المسلمون أنفسهم ويؤكدوه؟
يشير (روبرت برنشفك) أستاذ اللغة والحضارة العربيتين في جامعتي (بوردو) و (باريس) إلى
"أن تأثير الدين الإسلامي تتجلى قوته في عدد كبير من عناصر الثقافة الإنسانية: في اللغة والفنون والآداب والأخلاق والسياسة والتركيب الاجتماعي ونشاطه والقانون، بحيث لا نستطيع إذا أخذنا الوضعية كلا، أن نلاحظ مدنية مستقلة فيها لا تتميز (بالعنصر الإسلامي) فحسب ، بل (بالعامل) الإسلامي أيضًا" (2) لقد"أصبحت العقيدة الإسلامية خلال القرنين الثاني والثالث (الهجريين) نظامًا نما بصورة واسعة في نواح مختلفة، وكان شديد الرغبة في إظهار تماسكه في كل مدرسة أو نزعة تتضح في نطاقه .. وهكذا أخذ الإسلام مكانة عملية قُدّرت له في عدة ميادين ثقافية، وهو دور المؤثر والمتأثر، وهو مظهر مزدوج لا يصح الفصل بين جزئيه غالبًا إلاّ بطريقة مصطنعة" (3) .
ويمضي (برنشفك) في تحليله إلى أن"من الأصح ـ دون ريب ـ أن نعتبر العقيدة الإسلامية عاملًا، لا في الحالات التي يحدث أن تستمد منها حلًا جديدًا من مواردها الخاصة بها فحسب، أو تأتي بحل جديد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ولكن في كل حالة تستوعب فيها حلًا داخليًا أو أجنبيًا في نظامه، ويلونه بطريقته الخاصة، وبذلك تساعد على اقتباسه أو الاحتفاظ به. فكم من عمل لم تكن به من ناحية المبدأ صبغة إسلامية، طبعه الإسلام بطابعه إلى الحد الذي أصبح فيه عملًا مميزًا للإسلام، وذلك بفضل إسناد التربية الإسلامية المأثورة. ومن الممكن أن الصفة الإسلامية الخاصة لعنصر ثقافي في أكثر من حالة واحدة لا يدين بشيء إلى الأصل الذي نشأت عنه بل يعبر فقط عن الحقيقة: أن الإسلام باقتباسه العنصر المذكور طبعه بطابعه أو أراد اقتباسه وتمثيله" (4) .
ويشير رجل القانون الدولي الفرنسي المعاصر (مارسيل بوازار) إلى أن الإسلام"اقترض ولا ريب، لكنه عرف كيف يحقق، بفضل روحه التوفيقي بشكل أساسي، بناء يحمل طابعه. فجميع بنائه الثقافي قائم على التكافل والتوفيق: مصادفة، واكتشاف، وتقبل، وتمثل، وتنمية وتطوير. وقد أضاف إليه الدين تلوينًا خاصًا به، صادرًا عن شعور بالسمو والانسجام، كما أنه صادر عن نوع من الوحدة في الاستلهام. وكانت مساهمة العالم الإسلامي الثقافية ضخمة" (5) .
ويقول (موريس بوكاي) المفكر الفرنسي المعروف بأن"الإسلام قد اعتبر دائمًا أن الدين والعلم توأمان متلازمان. فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءًا لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام. وأن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى إلى ذلك الازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الإسلامية، تلك التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوربا" (6) .
ويلحظ المؤرخ البريطاني المعاصر (أرنولد توينبي) كيف أن الإسلام"وفق فيما أخفق"
فيه سابقوه؛ لأنه استكمل عملية طرد الهلينية من العالم السوري. كما عاد فأدمج في الخلافة العربية، الدولة العالمية السورية التي اختزل اسكندر الأكبر حياتها بقسوة قبل أن تستكمل رسالتها .. وأخيرًا منح الإسلام المجتمع السوري ـ بعد انقضاء قرون من توقف حيويته ـ على أن يسلم الروح، وهو متأكد أنه لن يزول دون أن يخلق عقبًا؛ إذ غدت العقيدة الإسلامية اليرقة التي بزغت عنها في حينها الحضارتان العربية والإيرانية" (7) ."
ويعاين المستشرق الفرنسي (دومينيك سورديل) : الفن الإسلامي من الوجهتين التاريخية والجغرافية، فيرى أنه يستحق"على الرغم من نزعته التجريدية، التي تدين للإسلام وللإسلام وحده بوحدته، أن يتوج الثقافة الإسلامية الضخمة، التي تتصف بدورها بالوحدة على الرغم من نزعاتها المتباينة. ومن ثم فلا يبدو لنا الإسلام دينا (فحسب) ولا أمة (فحسب) ، بل ركنا لحضارة ينعش مظاهرها الدينية والفكرية والفنية ، أو يكيفها على الأقل" (8) .