وفي ترك هذه العادات محاولة لإخراج الإنسان من أسوار الدنيا وملذاتها الحسية ، ومحاولة أيضًا لإضعاف الجسد ، كي تسيطر الروح عليه ، وتقوده نحوه خيره في الدنيا والآخرة .
كذلك اعتاد كثير من المسلمين على النوم في أوقات محددة وعلى فرش وثيرة ووسادة بعينها فإن تغيرت تلك الوسادة أرق وطار منه النوم ....! أين هذا من الحجيج !؟ الذين يتوسدون الحجارة أو أحذيتهم عندما يتاح لهم أن يخلعوا أحذيتهم من أرجلهم ، ويرقدون دقائق ولا يتح لهم أن يناموا في فراش واحد أكثر من ساعات قليلة حيث يرتحلون إلى مكان آخر .
فالحج يعود على التحرر من سيطرة عادات الطعام والشراب والنوم المتحكمة في كثير من المسلمين ، عندما يتغير أسلوب الطعام ونوعيته على الحاج وكذلك الشراب والنوم .
الروح في مناسك الحج:
وتتصل الروح بربها عزوجل ، وتطول مدة الاتصال ، ففي الطواف حول الكعبة يشغل الحاج نفسه بذكر الله عزوجل ، وطلب العفو والمغفرة منه ، وطلب الجنة والنجاة من النار ، وتتألق الروح عندما تحس بصاحبها وهو يتوجه إلى الله عزوجل بقلب خاشع ، وعين دامعة ، يسأله العفو والمغفرة ، وتفرح الروح لما ترى صاحبها مهتمًا بربه ومتعلقًا به .
وكذلك عندما يصلي ركعتي الطواف ويتجه بالدعاء إلى ربه عزوجل ، أمام مقام إبراهيم عليه السلام ، والدعاء مخ العبادة ، وفي الدعاء تتحقق عبودية الإنسان لله عزوجل ، وبنفس الوقت تتحقق حرية الإنسان الحقيقية ، فعبد الله ليس عبدًا لأحد غيره وهذا عين الحرية ولاحرية بعد ذلك .
وعند السعي بين الصفا والمروة ، يلهج لسان العبد بالذكر والدعاء ، ويتذكر هاجر أم اسماعيل عليه السلام ، كيف كان تعلقها بالله عزوجل ، وقد صرحت بذلك وقالت لإبراهيم عليه السلام وهي تستفهم منه لماذا يتركهما في هذا القفر: آلله أمرك بذلك ؟ قال: نعم . قالت: إذن لايضيعنا .
وفي يوم عرفة عندما تجمع العصر مع الظهر ليتفرغ الحاج للدعاء ومناجاة ربه عزوجل ، وإلحاحه في الدعاء كي يغفر الله له ذنوبه ، ومن يغفر الذنوب إلا الله !؟ وكلما رأت الروح صاحبها متعلقًا بربه عزوجل نمت وكبرت وقويت ، وهذا ما يغذي الروح أثناء الحج .
وفي ازدحام الحجيج عند النفرة من عرفة وفي مزدلفة وعند رمي الجمرات يتذكر الحاج يوم الحشر وأهواله ، ويزداد تعلقًا بربه عزوجل ، ليعينه في ذلك اليوم ، ويهون عليه أهواله ومشقاته . ويتذكر قدر نفسه ، فهو عبد لله ، مثل هؤلاء العبيد الكثيرين حوله ، ويحرر من مكانته المؤقتة في الدنيا .
ويوم النحر يحلق الحاج شعره ، ليؤكد التجرد من الدنيا وزينتها ، وهذا سر تفضيل الحلق على التقصير ، ففي الحلق سمو على الدنيا ومظاهرها الفانية ، واستعداد وتجرد للإقبال على الله عزوجل ، الله الذي ينظر إلى قلوبنا ولاينظر إلى شعورنا وملابسنا .
وكل مناسك الحج تؤكد هذا المعنى: تجرد من الدنيا وإقبال على الله عزوجل ، وهذا ماينفع الروح ، وينميها ، ويساعدها على قيادة الجسد والسيطرة عليه .
أسأل الله عزوجل أن يجعل قلوبنا متعلقة به ليل نهار ، وان لايجعلنا من الغافلين ، وأن لايجعل الدنيا أكبر همنا ومبلغ علمنا ، إنه سميع بصير ، والحمد لله رب العالمين .
* باحث في التربية الإسلام