فهرس الكتاب

الصفحة 2767 من 27345

إن آية عاد تجلت اليوم في إعصار ريتا.. كاترينا، والله تعالى يري آياته للناس كل يوم:"لعلهم يتقون"..!!.

آية لكل ظالم، يأكل حقوق الضعفاء، يغتر بقوته، وببنائه الشاهق، وعلوه في الأرض:

-وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد * وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادًا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود"."

الفرح منوط بالمحل.

فأهم ما في الحدث هو هذه العظة والعبرة، والوقوف عندها، لنعلم سنة الله تعالى في عباده:

-"وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد * إن في ذلك لآية".

غير أن طائفة من الناس تركت هذه العبرة العظيمة، فجنحت إلى مسألة أخرى هي:

-هل نفرح بما أصابهم، أولا نفرح ؟.

وقد ذهبت بالمسألة شوطا بعيدا، فدخلت في اتهام النيات والمقاصد:

-فصار من يؤيد الفرح: يتهم من لا يؤيد بالجبن، والانهزام، ومرض القلب، والإفساد في الأرض.

-وصار من لا يؤيد الفرح: يتهم المؤيد بانعدام الضمير، والرحمة، والإنسانية.

وهكذا شأن الناس اليوم في الاتهام..!!..

والمسألة تحتاج إلى تمهل، وتجنب التعميم في الأحكام، نعم يوجد في الجانبين من هو كذلك، لكن ليس كلهم كذلك..!!.

-ليس كل من فرح، فهو: معدوم الإنسانية، والرحمة، والضمير.

-وليس كل من لم يفرح، فهو: جبان، منهزم، أو مريض القلب.

بل يوجد من الذين فرحوا من هو أكثر الناس رحمة، وإنسانية، كما يوجد في الذين لم يفرحوا، من هو أعظم الناس إيمانا، وصلاحا، وإصلاحا.

غير أن المشكلة أتت: من أن كل فريق نظر إلى المسألة من جانب، دون جانب، فلأجله اختلف الحكم.

فالواجب إذن: التمهل، ونظر كل فريق في حقيقة قول الآخر، وما يريده، وما الذي تعلق به قوله وحكمه؟، سواء كان بالفرح أو بالمنع.

وحاصل الخلاف بين الفريقين:

-أن من سوغ الفرح بهذا المصاب، فمن جهة: أن هذا الإعصار آذى وأضر بالدولة نفسها، وسياساتها، وحملها جراء ذلك خسائر باهظة، تفيد في كف شرها وعدوانها على المسلمين، الذين اصطلوا نارها: تدخلا، واحتلالا، وقتلا، ونهبا للثروات. فهو يرى أن هذه عقوبة من الله تعالى على فعلها الظالم، واستجابة لدعوات المظلومين، وهو يفرح؛ لأن في ذلك كف عدوانها، وانشغالها بنفسها.

-ومن لم يسوغ الفرح، ودعا إلى المؤاساة، فمن جهة: أن الأذى لحق بالضعفاء، الذين لا حيلة لهم، ولا يد لهم في عدوان دولتهم على المسلمين، بل كثير منهم معارضون، فكيف يؤاخذون بجريرة غيرهم، والله تعالى يقول:"ولا تزر وازرة وزر أخرى"؟!. فهو يرى أنهم لا يستحقون الفرح بمصابهم؛ لأنهم ما آذوا. ويرى مواساتهم؛ لأن في ذلك التقرب إليهم بالإسلام، ففي المحن تلين القلوب، وتعرف لأهل العون فضلهم، فهذه فرصة لدعوتهم إلى الإسلام.

فإذا كان الأمر كذلك، فالمسوغات مقبولة، والمواقف مقبولة.

لكن الذي لا يسوغ، ولا يقبل: الفرح بمصاب الضعفاء الأبرياء، من عامة الناس، من جهتين:

الأول: تعطيل دلالة قوله تعالى:"ولا تزر وازرة وزر أخرى"، المقتضي: عدم تحميل أحد وزر غيره.

الثاني: أن الإسلام لا يأمر بالفرح بمصاب الضعفاء؛ لأن أصله الرحمة:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، فحيث كان إليها سبيل، فلا يستعاض عنها إلا إذا تعذرت.

كما لا يسوغ، ولا يقبل: منع الفرح بمصاب الدولة التي آذت وحاربت المسلمين، من جهة أنه:

-تعطيل لدلالة قوله تعالى:"ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم"، المقتضي جواز الفرح.

ولا مانع من اجتماع الفرح والأسى في الأمر الواحد، كالوالد يفرح ويحزن بما يصيب ولده العاق الفاجر، فيفرح لأجل كف شره عنه وعن غيره، ويحزن لأنه ولده.

الشعب مشارك أم لا ؟.

قال القائل: الشعب، الذي تسميه ضعفاء، مشاركون في العدوان: بالانتخاب والتأييد، والعون بالمال.

فهم الذين انتخبوا الرئيس، الذي جرهم إلى العدوان على المسلمين، فهم مؤيدون له ولأعماله.

وهم يدفعون الضرائب، التي ينفق منها على السلاح، والحرب، والاحتلال.

فكيف يقال: إنهم ضعفاء، أبرياء، لا ذنب لهم ؟!.

فالجواب: ثمة أمور هنا خاطئة، هي التي أوجبت هذه الدعوى ..!!.

* فأما عن الانتخاب:

فليس كل الشعب ينتخب، بل نصفه وأكثر لا يأبه بالانتخابات أصلا، ولا يدخل في الترشيحات، إما لأنه لا يأبه لهذه الأمور بطبيعته وانشغاله بنفسه، وإما لأنه لا يثق بنزاهة العملية الديمقراطية، وصدقيتها، ويدرك أن ثمة جهات معينة معروفة (الشركات العابرة للقارات) هي التي تحدد من سيفوز بالرئاسة، وما عامة الناس إلا صورة تزين بها الانتخابات، يخدع بها من لا يفهم، ليظن أن القرار والاختيار: قرار واختيار الشعب.

فما بقي إذن إلا النصف هو الذي ينتخب.. وهذا النصف: ليس كله ينتخب الرئيس الفائز، بل تتوزع أصواته بين المرشحين، فلا يبقى للفائز من الأصوات إلا ما دون النصف، ونسبته إلى مجموع الشعب: أقل من الربع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت