فهرس الكتاب

الصفحة 3618 من 27345

4-روعة الموقف الأخلاقي المُبهر للنبي -صلى الله عليه وسلم- الذي اتخذ موقفًا معلنًا مؤكدًا باليمين أنه لا يعطيهم"والله لا أحملكم"ومع ذلك رجع عن هذا الموقف بغاية السرعة والتلقائيّة والصحة النفسيّة العالية، ولم يجد غضاضة في الرجوع عن موقفٍ أعلنه وأقسم عليه للانتقال إلى خيارٍ أفضل، وترك ذلك القرار إلى قرار أصلح، كم تنهزم إراداتنا حين نتخذ موقفًا في لحظة انفعال، ثم يكبلنا هذا الموقف عن الوثوب إلى مواقف أفضل؛ حتى لا يُحسب علينا رجوعٌ أو تراجع، ولو كان ذلك موقف أبٍ مع أبنائه، أو معلمٍ مع طلابه، أو رئيس مع مرؤوسيه.

وكم رأينا من لجّ في غواية أو خطأ، وتحمل خسارة أو دمار؛ لأن الشيطان نفخ في منخره، وعظم في نفسه أن يرجع عن موقفه وإن استبان خطأه، أما معلم الناس الخير فقد أطلقها مدوّية ناصعة"إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرّت عن يميني وأتيت الذي هو خير".

5-ألا يشدّك حتى تخفق أعماق وجدانك حال تلك النفوس الملائكيّة الشفافة الطهور التي كانت تمشي على الأرض وكأنها تحلق بين قناديل الجنة، أيُّ إيمانٍ وصفاءٍ ويقين أُترعت به قلوب الأشعريين، فلم تجد على نبيها -صلى الله عليه وسلم- أدنى موجدة، وإن غضب ومنع وتألّى على ذلك وأقسم، وإنما كان الذي وُجد في نفوسهم عظيم الشفقة على الرسول والتعظيم لكلامه، حيث عادوا على أنفسهم باللائمة؛ إذ ظنوا أنهم أغفلوا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تلك اليمين، وأنهم يتحملون مسؤولية تذكير النبي -صلى الله عليه وسلم- بها، فينقلبون إليه معتذرين مذكّرين بتلك اليمين.

إنها الصورة الرائعة للصفاء القلبي والإشراق النفسي، والإيمان الحق بالرسالة والرسول.

ذاك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي اصطفاه الله لرسالته، وهؤلاء هم الذين آمنوا معه، واصطفاهم الله لصحبته.. (محمد رسول الله والذين معه...)

6-هذا الموقف الذي صدر من الرسول سُبق بمواقف كثيرة في الرفق وغرس الحب وملء النفوس بأحاسيس الرعاية، ولذا فعندما يأتي هذا الموقف مسبوقًا بذلك لا يُحدث صدمة أو هزة، وإنما يأخذ حجمًا محدودًا، ويُفسّر تفسيرًا حسنًا، إنها عملية سحب قليلة من رصيد عاطفي كبير تم إيداعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت