• القضيّة الأُولى، القضيَّة الرئيسة، الحقيقة الكبرى في الكون والحياة، الهدف الرباني الثابت الأول في الدعوة الإسلامية، القضية الأولى في كلِّ ذلك، هي قضية الإيمان والتوحيد. فهي التي تقرِّر مصير كل إنسان في الدار الآخرة !
• إنها القضية الأُولى الرئيسة في حياة كل إِنسان، وحياة كل شعب، وحياة البشريّة كلها !
• إنها القضية التي لم تنلْ الجهد الحق العادل في واقعنا اليوم، ولا البذل الوافي ! وهي القضيّة التي أصابها الخلل والانحراف عند بعض الناس دون أن يشعروا بذلك أو مع شعورهم به.
• إنها القضيّة التي انفصلت عنها القضايا المادية الاقتصاديّة والسياسية والاجتماعية والأدبيَّة وغيرها، حتى أصبحت هذه تدرس وتعالج وحدها، وتلك تدرس وتعالج وحدها، وأصبح التصوّر المادّي هو الغالب على معظم القضايا، وأصبحت قضية الإيمان والتوحيد أقرب إلى الشعار منها إلى الجوهر الذي يحكم كلَّ القضايا في الحياة.
• إنها القضيّة التي يجب البدء بها، لتُدْرَس نواحي الخلل الحقيقية في واقع الناس وتُدْرس وسائل معالجتها، ويوضع النهج العمليّ التطبيقي لمعالجتها. إن معالجة أيّ قضية مهما كان نوعها في واقع الحياة، أو معالجة أيّ خلل، لا يمكن أن ينجح إذا لم يبدأ العلاج هناك، في قضية الإيمان والتوحيد بعمل منهجي محدّد:
دراسة نواحي الخلل وتحديدها، تحديد وسائل العلاج،وضع منهج عملي تطبيقي للعلاج.
• إنها القاعدة الصلبة التي يقوم عليها: العاطفة والشعور، الفكر، النهج والتخطيط، السعي والعمل.
• قضية الإيمان والتوحيد ليست قضيّة شعار فحسب، ولا قضيّة عاطفة فحسب، ولا هي قضيّة فكريّة فحسب، ولا هي قضيّة فلسفيّة، إنها قضيّة حقّ يقوم عليه الكون كله. إنها تجمع العاطفة الواعية الصادقة، والفكر اليقظ الصادق، والنيّة الخالصة لله الواعية التي تحدّد الهدف والدرب إليه والوسائل والأساليب، ليكون ذلك كله ربّانياً.
• إنها القضيّة التي تجعل المعركة الأولى للإنسان في نفسه، في داخله، في ذاته، ليجاهد نفسه جهاداً ممتداً في حياته كلها، مع مجاهدة العاطفة والفكر والنيّة والنهج والتخطيط والعمل والسعي.
• إنها القضيّة التي تمتدُّ مع كل خطوة ومرحلة وهدف على صراط مستقيم إلى الهدف الأكبر والأسمى، تمتدّ ولا تنفصل عن أي عاطفة أو فكر أو عمل، تمتدّ امتداد الحياة، مع كلّ نبضة وخفقة.
من أجل ذلك كله، من أجل هذه القضية الكبرى، راقب نفسك أيها المسلم الداعية واسألها أسئلة كثيرة، نذكر بعضاً منها:
ـ هل تؤْثر الدار الآخرة على الدنيا ؟! واعلم أن الله يعلم ما في نفسك !
ـ هل طهّرت نفسك من الحسد والحقد، ومن الكبر والغرور ؟ !
ـ هل تخلّصت من العصبيات الجاهلية بكل أنواعها: العائلية والإِقليمية والقومية والحزبيّة ؟!
ـ هل أصبح لديك ميزان إيماني محدّد تزن به الرجال والأمور ؟! هل تطبّقه فعلاً ؟!
ـ هل نيّتك ترافقك في كل عمل تقوم به، نيّة خالصة لله، نيّة واعية يقظة، تعرف هدفها ودربها ووسائلها وأساليبها، لتكون هذه كلُّها ربّانيّة ؟!
ـ هل أنت تجاهد نفسك حق الجهاد، حق المجاهدة على علم بمنهاج الله ؟!
ـ هل أنت واثق أن ولاءك الأول لله وحده، وعهدك الأول مع الله وحده، وحبك الأكبر هو لله ولرسوله، وأنّ كل موالاة في الدنيا وكلّ عهد وكل حبّ ينبع من الولاء الأول والعهد الأول والحب الأكبر ويرتبط بها.
ـ هل أنت تصاحب منهاج الله ـ قرآناً وسنّة ولغة عربيّة ـ صحبة منهجيّة صحبة عمر وحياة ؟!
ـ هل أنت تدرس هذا النهج دراسة جادة حتى تعيه، فإذا آمنت به التزمته التزام عهد وصدق ووفاء ؟!
لا بدّ أن تسأل نفسك وتحاسبها، وتدرس الخلل فيها والأخطاء، وتبدأ بمعالجتها. ولقد قدمنا في كتب الدعوة النهج العمليّ التفصيلي لمحاسبة النفس من ناحية، ولتذكيرك بذلك أيها المسلم من ناحية ثانية.
كيف يمكن أن ينزل المسلمون الميدان يحملون ما في النفوس من خلل واضطراب، وعيوب وانحراف ؟ !
كيف يمكن أن يتحقق النَّصر ونحْن نحمل في أعماق النفوس آفات الكبر والغرور والحقد، وحبّ الدنيا و زهوتها والسمعة فيها، والعصبيات الجاهلية التي تحوّل حتى الصداقات والأرحام إلى عصبيات قاتلة، تمزّق الصفوف والقلوب والجهود ؟ !
كيف تكون التقوى في القلوب إذا امتلأت القلوب بهذه العلل وذلك الخلل ؟! كيف يمكن أن ينمو في القلب تقوى وقد حجزتها الأمراض ؟ ! وكيف تنشأ الخشية من الله إذا غمر القلوب حبُّ الدنيا والجري اللاهث خلف سرابها وأوهامها ؟ !
حاسب نفسك أيها المسلم، وأَعِنْ أخاك على محاسبة نفسه، ولا تدفعه إلى الغرور والهلاك ! حاسب نفسك وجاهدها قبل فوات الفرصة.
حاسبوا أنفسكم أيها المسلمون على نهج بيّن مفصَّل، وتناصحوا بالحق على أساس من منهاج الله ! واحذروا أن يفتنكم الشيطان بما يزيّنه لكم من زخرف كاذب ومتاع زائل وباطل مكشوف.