فهرس الكتاب

الصفحة 25730 من 27345

وقد ردَّ العلماء على من ذهبَ إلى التقلُّلِ من المالِ وإن أعانَ على الطاعاتِ، فقال القرطبي رحمه الله:"قال أبو حامد: [8] فمَن راقبَ أحوالَ الأنبياءِ والأولياءِ وأقوالَهم لم يَشُكَّ في أنَّ فَقْدَ المالِ أفضلُ مِن وُجُودِه، وإن صُرِفَ إلى الخيرات؛ إذ أقلُّ ما فيه اشتغالُ الهمةِ بإصلاحِه عن ذِكرِ الله؛ فينبغي للمُريدِ أن يخرجَ عن مالِه حتى لا يبقَى له إلا قَدرُ ضَرُورتِه؛ فما بقي له درهم يلتفت إليه قلبه فهو محجوبٌ عن الله تعالى. قال ابنُ الجوزي: وهذا كلُّه خِلافُ الشرعِ والعقلِ وسوءُ فهمِ المراد بالمالِ وقد شرَّفَه الله وعظَّمَ قدرَه وأمرَ بِحفظِه إذ جعلَه قوامًا للآدمي؛ وما جُعلَ قوامًا للآدمِي الشريفِ فهو شريفٌ، فقال تعالى: (ولا تؤتوا السُّفَهاءَ أموالَكم التي جَعلَ الله لكم قيامًا) ، [9] ونهى جلَّ وعزَّ أن يسلم المال رشيد فقال (فإنْ آنَسْتُم منهم رُشْدًا فادفَعُوا إليهم أموالَهم) ، [10] ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعةِ المالِ قال لسعد: إنك أن تذر ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تذرَهم عالةً يتكفَّفُون الناسَ... وقال لعمرو بن العاص: (نِعْمَ المالُ الصالِحُ للرجلِ الصالح) ، ودعا لأنس وكان في آخر دعائه: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه، وقال كعب: يا رسول الله إنَّ مِن توبتِي أنْ أنخلِعَ من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال: أمسك عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك. قال ابن الجوزي: هذه الأحاديث مُخرَّجةٌ في الصحاحِ، وهي على خلاف ما تعتقده المتصوفة من أنَّ إكثارَ المالِ حِجابٌ وعقوبةٌ، وأنَّ حبسَه يُنافي التوكُّلَ، ولا يُنكَر أنه يخاف مِن فِتنتِه وأنَّ خلقًا كثيرا اجتنبوه لخوف ذلك... فأما كَسْبُ المالِ فإنَّ مَن اقتصرَ على كَسْبِ البُلْغَةِ مِن حِلِّها؛ فذلك أمرٌ لابد منه، وأما مَن قَصَدَ جمعَه والاستكثارَ منه من الحلال نُظِرَ في مَقصُودِه؛ فإنْ قَصَدَ نفسَ المفاخرة والمباهاة؛ فبئس المقصود، وإنْ قَصَدَ إعفافَ نفسِه وعائلتِه وادَّخَرَ لحوادثِ زمانِه وزمانِهم وقصدَ التوسعةَ على الإخوانِ وإغناءَ الفقراء وفِعلَ المصالح؛ أُثِيبَ على قَصدِه، وكان جَمْعُه بهذه النيةِ أفضلَ مِن كثيرٍ مِن الطاعات. وقد كانت نِياتُ خَلْقٍ كثيرٍ من الصحابةِ في جمعِ المالِ سليمةً لِحُسنِ مَقاصِدِهم بِجَمعِه؛ فحَرِصُوا عليه وسألوا زيادته". [11]

ولكنْ لا بُدَّ مِن الحذرِ مِن فِتنةِ المال؛ فقد يكون نِقمةً وبَلاءً على العَبدِ يَشغَلُه عن العِبادةِ ويَصُدُّه عن الواجِبات، ويدفَعُه إلى الغُرورِ والخيلاء، فيصير المالُ عذابًا لصاحبِه كما قال تعالى: (فلا تُعجِبْك أموالُهم ولا أولادُهم إنما يريد الله لِيُعَذِّبَهم بها في الحياة الدنيا وتزهَقَ أنفسُهم وهم كافِرُون) . [12] وفي مثلِ هذا أنشدَ أبو الدرداء رضي الله عنه:

يريدُ المرءُ أن يؤتَى مُناهُ *** ويأبَى اللهُ إلا ما أرادا

يقولُ المرءُ فائدتي ومالي*** وتقوى اللهِ أفضلُ ما استفادا" [13] "

فالمالُ يُحْمَدُ ويُذَمُّ بِحَسبِ الغرضِ من جمعِه؛ قال ابن كثير رحمه الله:"حُبُّ المالِ تارةً يكونُ لِلفَخْرِ والخيلاءِ والتكبُّرِ على الضعفاءِ والتجبُّرِ على الفقراء؛ فهذا مذمومٌ، وتارة يكون للنفقةِ في القُرُباتِ وصِلةِ الأرحامِ والقَراباتِ ووُجوهِ البِرِّ والطاعاتِ؛ فهذا مَمْدُوحٌ مَحمودٌ شرعا". [14] وقال ابنُ تيمية رحمه الله:"المالُ لا يُحمَدُ مطلقًا ولا يُذَمُّ مُطلقًا، بل يُحمَد منه ما أعان على طاعةِ الله، وقد يكون ذلك واجبًا؛ وهو ما لابد منه في فعلِ الواجبات، وقد يكون مستحباًّ؛ وإنما يُحمَد إذا كان بهذه النية، ويُذَمُّ ما استعين به على مَعصيةِ الله أو صد عن الواجبات فهذا مُحرَّمٌ". [15]

ورَحِمَ الله ابنَ حجر، فقد قرَّرَ في حديثِ استعاذةِ النبي صلى الله عليه وسلم من (شَر فِتنةِ الغِنَى وشَر فِتنةِ الفَقر) أنَّ"التقييدَ في الغِنَى والفقرِ بالشرِّ لا بد منه؛ لأنَّ كلا منهما فيه خيرٌ باعتبارٍ؛ فالتقييدُ في الاستعاذةِ منه بالشرِّ يخرج ما فيه من الخير سواء قلَّ أم كثر، قال الغزالي: فتنةُ الغِنَى: الحرصُ على جمعِ المالِ وحبه حتى يكسبه بغيرِ حِلِّه، ويمنعه من واجباتِ إنفاقه وحقوقه، وفتنة الفقر يراد به الفقر المدقع الذي لا يصحبه خيرٌ ولا وَرَعٌ حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة ولا يبالي بسبب فاقَتِه على أيِّ حرامٍ وَثَبَ ولا في أيِّ حالة تورَّطَ، وقيل: المرادُ به فقرُ النفسِ الذي لا يَرُدُّه مُلْكُ الدنيا بِحَذافِيرِها". [16]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت