ولا ريبَ أنَّ حالَ السلفِ الصالحِ يَشهَدُ لهذا الفِقهِ في جَمعِ المالِ، كما قال القرطبي رَحِمَه الله: قال ابنُ الجوزي:"كان سعيدُ بن المسيب يقول: لا خيرَ فيمن لا يطلب المالَ يَقضِي به دَينَه ويَصُون به عِرضَه؛ فإنْ مات تَرَكَه مِيراثًا لِمَن بَعدَه! وخلَّفَ ابنُ المسيب أربعمائة دينار، وخلَّفَ سفيانُ الثوري مائتين، وكان يقول: المال في هذا الزمان سلاحٌ، ومازال السلفُ يَمدَحُون المالَ ويجمعونَه للنوائبِ وإعانةِ الفقراء؛ وإنَّما تحامَاه قومٌ منهم إيثارًا للتشاغُلِ بالعباداتِ وجمعِ الهمِّ؛ فقنعوا باليسير". [17] قال القرطبي رحمه الله: ومِما يَدُلُّ على حِفظِ الأموالِ ومُراعاتِها: إباحةُ القتالِ دونَها وعليها، قال صلى الله عليه وسلم: (مَن قُتلَ دون مالِه فهو شَهِيد) ". [18] "
وقال ابنُ حَجَر رحمه الله:"مَن لا شيء له فالأوْلَى في حَقِّهِ أنْ يتكسَّبَ لِلصَّونِ عن ذُلِّ السؤالِ... صَحَّ عن أحمد مع ما اشتهرَ من زُهدِه ووَرَعِه أنه قال لمن سأله عن ذلك: الْزَم السوق، وقال لآخر: استَغْنِ عن الناس؛ فلم أرَ مثلَ الغِنَى عنهم، وقال: ينبغي للناسِ كلِّهم أن يتوكلُوا على الله وأن يُعَوِّدُوا أنفسَهم التكسُّب. ومن قال بتركِ التكسُّبِ فهو أحمق؛ يريد تعطيلَ الدنيا! نقلَه عنه أبو بكر المروزي، وقال: أُجرةُ التعليمِ والتعلُّمِ أحَبُّ إلَيَّ مِن الجلوسِ لانتظارِ ما في أيدي الناسِ، وقال أيضًا: من جلسَ ولم يحترفْ؛ دَعَتْه نفسُه إلى ما في أيدي الناس. وأسند عن عمر كسب فيه بعض الشيء خير من الحاجة إلى الناس، وأسند عن سعيد بن المسيب أنه قال عند موته وترك مالا: اللهم إنك تعلمُ أني لم أجْمَعْه إلا لأصُونَ به دِينِي. وعن سفيان الثوري وأبي سليمان الداراني ونحوهما من السلف نحوه، بل نقله البربهاري عن الصحابة والتابعين، وأنه لا يُحفَظُ عن أحدٍ منهم أنه ترك تعاطِيَ الرزقِ مُقتصِرًا على ما يفتحُ عليه". [19]
فالحاصِلُ أنَّ المالَ نعمةٌ من نعمِ الله على عبادِه؛ فجَمْعُه مَحمُودٌ إذا كان بنيةٍ صالحةٍ؛ وإنما يُذَمُّ المالُ إذا كان المرءُ عَبدًا له، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تَعِسَ عبدُ الدينار وعبدُ الدِّرهَمِ وعبدُ القطِيفة وعَبدُ الخميصة؛ إن أُعْطِيَ رضي، وإن مُنِعَ سخط) . [20] وروى أبو هريرة رضي الله عنه كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت عنده مظلمةٌ لأخيه: من عِرضِه أو من شيءٍ؛ فلْيتحَلَّلْه منه اليومَ قبل أن لا يكونَ دينارٌ ولا دِرهم؛ إنْ كان له عملٌ صالحٌ أُخِذَ منه بقدرِ مَظْلَمَتِه، وإنْ لم يكنْ له حسناتٌ أُخِذَ من سيِّئاتِ صاحبِه؛ فحُمِلَ عليه) ! [21] وروى أبو أُمامة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَن اقتطعَ حقَّ امرىءٍ مسلمٍ بيمينِه؛ فقد أوجَبَ اللهُ له النار، وحرَّمَ عليه الجنة، فقال رجلٌ: وإنْ كان شيئًا يسيرًا يا رسولَ الله؟ فقال: وإنْ قَضِيبًا من أراكٍ) [22]
[1] الكهف 46.
[2] العاديات 6-8.
[3] صحيح ابن حبان 8/13، في باب (ذكر البيان بأن حب المرء المال والعمر مركب في البشر عصمنا الله من حبهما إلا لما يقربنا إليه منهما) ، حديث 3219.
[4] صحيح ابن حبان 8/6، حديث3210. باب (ذكر الإباحة للرجلِ الذي يَجمعُ المالَ من حِلِّه إذا قام بِحُقوقِه فيه) .
[5] الشَّرْجة: مسيل الماء.
[6] الجامع لأحكام القرآن 11/32.
[7] صحيح البخاري 1/289، حديث 807، وصحيح مسلم 1/417، حديث 595.
[8] هو الغزالي رحمه الله.
[9] النساء 5.
[10] النساء 6.
[11] الجامع لأحكام القرآن 3/418-419.
[12] التوبة 55.
[13] تفسير القرآن العظيم 1/58-59.
[14] تفسير القرآن العظيم 1/352.
[15] كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية 20/144-145.
[16] فتح الباري 11/177.
[17] الجامع لأحكام القرآن 3/420.
[18] المرجع السابق.
[19] فتح الباري 11/276-277.
[20] صحيح ابن حبان 8/12، حديث 3218. باب (ذكر الزجر عن أن يكون المرء عبد الدينار والدرهم)
[21] رواه البخاري.
[22] رواه مسلم.