إن آثار الفقر واضحة في الحياة المعاصرة بشكل يهدد أمن العالم ومستقبله ، ففي العالم اليوم وحسب تقديرات لجنة الأمن الغذائي التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة في شهر أيلول 2004 أن عدد فقراء العالم يقدر بحدود (800) مليون نسمة. ولكن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن أكثر من مليار و (200) مليون نسمة أي أكثر من خمس سكان العالم يكافحون لأجل البقاء ويعيشون على أقل من دولار يوميا لكل فرد ، كما أن الإحصائيات تشير إلى أن (35) ألف طفل يموتون يوميا بسبب الجوع والمرض ، وهناك (33%) من سكان العالم يفتقرون إلى مياه الشرب الآمنة ، و (25%) يفتقرون إلى السكن ، و (20%) يفتقرون إلى الخدمات الصحية . إن ويلات الفقر تصل حتى الأفراد الذين يعيشون في الدول المتقدمة ، وبحسب إحصائيات مركز الدراسات الإسلامية في أمريكا أن عدد الفقراء في أمريكا يقدر بحوالي (36) مليون ، منهم (700) ألف أمريكي يعيشون تحت خط الفقر .
إذن ، كيف استطاع الإسلام أن يقضي على جيوب الفقر ، وما هي آليات المواجهة في تحقيق صورة المجتمعات الإسلامية الخالية من الفقر ، وقد وقع ذلك في التاريخ الإسلامي أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن عاملا على الصدقات ولكنه أرسل إلى عمر بكامل الصدقة وقال ما وجدت أحدا يأخذ مني شيئا ، وتكررت نفس الصورة في زمن عمر بن عبد العزيز في موقفه مع عامله في العراق ومع عامله يحيى بن سعيد في إفريقيا كما روى ذلك أبو عبيد في الأموال وابن عبد الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز .
إن آليات المواجهة التي يتبناها الإسلام في مقاومة الفقر والقضاء على جيوبه تصب في ثلاث قنوات أساسية ؛ وقائية وعلاجية وتكميلية . فأما الآليات الوقائية فهي اعتبار العمل عبادة يحصل فيه العامل على أجرين ثواب في الآخرة وأجر مادي في الدنيا ، وتنظيم التبادل على أسس تكافلية وبالتالي تحريم الأسعار الناتجة عن تأثير قوى غير قوى العرض والطلب كالاحتكار والربا والاكتناز ، وتوجيه النمط الاستهلاكي بعيدا عن الإسراف والتقتير . وأما الآليات العلاجية فتتمثل بالزكاة التي تفرد بها الإسلام عن سائر النظم، وموارد بيت المال الأخرى غير الزكاة، وأعمال البر والإحسان التطوعية، وأما الآليات التكميلية فهي سياسة الإنفاق العام التي تقوم من خلالها الدولة بزيادة المعروض من السلع الضرورية وتوجيه هذه السياسة نحو الاستثمار كثيف العمل ويمكن للدولة استثناء بعض الضروريات من التملك الخاص إذا كانت تتعلق بالمستوى المعيشي للفقراء، كما يمكن للدولة القيام بتنفيذ آلية تكميلية كمرحلة أخيرة وهي الضرائب وتكون وفقا لبرنامج اقتصادي مدروس يحدده مستوى الكفاية العام، ويمكن احتساب الضريبة وفقا للمعادلة التالية:
الضريبة الكلية = دخل الكفاية العام - ( الزكاة + موارد بيت المال الأخرى + الإحسان الفردي ) * جامعة أم القرى - كلية الباحة