إنّ هذا كلّه يعني أنّ كلّ مسلم يجب أن يفكّر ، يجب أن يستفيد من هذه الطّاقة التي وضعها الله فيه . وبنظرة أوسع فيجب على كلّ إنسان أن يُفكّر حتى يصل إلى الحقّ والإيمان والتوحيد إذا شاء الله له ذلك ، أو يضلّ إذا فسد أمره فأضلّه الله ، والله يقضي بالحقّ ولا يظلم أحدًا .
والمسلم له منهج للتفكير نسمّيه"النهج الإيماني للتفكير"، يتبعه المسلم حين يفكّر حتى لا يضلّ ولا يزيغ . ولا بدّ من تدريب المسلم على النهج الإيماني للتفكير ، حتى ينظر في نفسه النظرة الأمينة ، ويحاسبها ويعرف مواطن الصّلاح والشرّ ، والقوّة والضعف ، فيجاهد نفسه ليثبت على الحقّ وينبذ الباطل .
تنمو طاقة التفكير مع نموّ الطفل كما تنمو سائر قواه . فإمّا أن يستمرّ النموّ مع الفطرة السليمة برعاية الوالدين المؤمنين وبفضل من الله ، وإمّا أن ينحرف التفكير مع فساد الفطرة بفساد الأبوين والمجتمع وبقدر من الله حقّ . وفي جميع الحالات فإنّ التفكير في مرحلة النموّ أو بعض مراحله يحتاج إلى تدريب ورعاية . ويزداد التدريب أهميّة وخطورة كلّما تقدّم الإنسان في مراحل نموّه ، حتى يعرف ويتعلّم، ويؤمن ويتحمّل المسؤولية ، ويجابه المشكلات وينهض لمعالجتها .
إنّ طاقة التفكير ضرورية للنظر في النفس ولمحاسبتها ومعالجتها في مسيرة من مجاهدة النفس .
نخلص ممّا عرضناه إلى ضرورة توافر قدرات وقواعد حتى يستقيم النظر في النفس ومحاولة تقويمها ومعالجتها:
أولًا: الإيمان والتوحيد المغروسان في الفطرة ومدى صفائهما .
ثانيًا: التفكير وعدم تعطيل الطاقة التي وهبها الله لنا .
ثالثًا: الميزان العادل الأمين ، توزن به الأمور والقضايا والمواقف والناس.
فكّر أيها المسلم ! فإنّك مكلّف ومسؤول ومحاسب ! والتفكير هو أوّل تكليف كلّف الله به عباده ليعرفوه به ، ويعبدوه به ، ويطيعوه . والتفكير مرتبط بالفطرة التي فطر الله الناس عليها ، تحمل الإيمان والتوحيد ليروي جميع قوى الفطرة ريًّا متوازنًا ، لتؤدّي كلّ قوّة وغريزة الدور الذي خُلِقتْ له . فاحرص على سلامة فطرتك وعُدْ إليها ، لتمدّك بالغذاء الّلازم وتُعينك على الاستقامة في التفكير والنهج والكلمة والسلوك .
ولن تستطيع أيها المسلم أن تفكّر على النهج الإيماني للتفكير،
حتى تُغيّر ما بنفسك !