وفي هذا الخبر بيان أثر دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم البالغ على الكفار , حيث حملهم ذلك على الخروج عن مألوف العقلاء , ولاشك أن سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكيم وطهارة سمعته من أي شائبة من الرذائل بعد توجيه الله سبحانه إياه , حمل الكفار على اختلاق تُهَم لا أصل لها فعقدوا لذلك مجلسًا أعلى لتزوير الحقائق , ثم صاروا يفندونها لوضوح بطلانها ورثاثة نسيجها .
وقد استقر رأيهم على اتهام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسحر مع اعترافهم بِبُعْد مابين فحوى كلامه والسحر, إلا أنهم بعد إ عمال الفكر وجدوا نوع تشابه بين أثر دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومايحدثه السحر من التفريق بين الرجل وابنه وزوجه وعشيرته , فتنفسوا الصعداء مما كان يعانون منه من الضيق وانغلاق الفكر , فأجمعوا على اتهامه بالسحر وهم يعلمون أن هناك فرقًا بين أثر دعوة الحق وأثر السحر الباطل , إلا أنهم لفرط عداوتهم وإفلاس حجتهم تعلقوا من ذلك بأوهى من خيوط العنكبوت .
وهكذا أهل الباطل في كل زمن ماهرون في إلصاق التهم المزيفة بالدعاة إلى الله تعالى , ولكن سرعان ماينكشف باطلهم ويبطل كيدهم لأنهم مهما عملوا لايملكون الهيمنة على عقول الناس, فإذا قارن العقلاء بين نصاعة دعوة الحق وطهارة دعاته من الرذائل , وسمو مقاصدهم , وطموحهم دائمًا نحو المعالي من صالح الأعمال تبين لهم الصفو من الكدر , وزاد تعلقهم بدعاة الحق والتزامهم بتوجيهاتهم الحكيمة .
وفي هذا الخبر مثل من نشاط دعاة الباطل في نشر باطلهم وحمايته مع أنهم لايرجون من ورائه إلا متاع الدنيا ومجدها الزائل , وهذا دافع لأهل الحق إلى أن يضاعفوا من جهدهم في نشر حقهم والدفاع عنه , لأنهم يرجون من الله مالا يرجو أولئك الكفار .
ولئن كانت العاقبة التي يرجوها الكفار من هذه التضحية هي التمكين في الأرض فإن ذلك يحصل للمؤمنين إذا أخلصوا في دعوتهم كما وعدهم الله تعالى , مع ماأعده الله لهم في الآخرة من النعيم المقيم والنجاة من العذاب الأليم .
ومن أمثلة قوة تأثر النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن ماكان من وفد النصارى الذين أسلموا لما سمعوا القرآن .
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلًا أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة , فوجدوه في المسجد , فجلسوا إليه وكلموه وسألوه , ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة , فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا , دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن , فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع , ثم استجابوا له , وآمنوا به , وصدقوا وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره .
فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش , فقالوا لهم: خيَّبكم الله من ركْب! بعثكم مَنْ وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل , فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم , وصدقتموه بما قال ! مانعلم ركبًا أحمق منكم - أو كما قالوا - فقالوا لهم: سلام عليكم , لانجاهلكم , لنا مانحن عليه ولكم ما أنتم عليه , لم نأل أنفسنا خيرًا ( [8] ) .
وهكذا لما كان هؤلاء النصارى قد تجردوا من الهوى المنحرف , وأقبلوا وهم يريدون معرفة الحق الذي تحدثت عنه كتب أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام ورأوا هذا الحق متمثلًا ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم قد تأثروا بسماع القرآن وبكوا خشوعًا لله تعالى وآمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم وعرفوا يقينًا أنه النبي الذي بشر به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام .
ولكن طغاة المشركين لم يعجبهم هذا الموقف , ولما كانوا مفلسين في مجال الحجة فإنهم لم يحاولوا إقناع أولئك النصارى بالعدول عن الإسلام ليقينهم بالفشل في ذلك , ولكنهم حاولوا إفراغ ما في نفوسهم من الحقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى دعوته فسخروا من ذلك الوفد وانتقصوهم , ولما كان أولئك النصارى قد جمعوا بين تهذيب دينهم السابق وما وقر في نفوسهم من اليقين بدين الإسلام فإنهم لم ينزلوا إلى مستوى أولئك المتجبرين المستكبرين بل خاطبوهم بهدوء وسكينة وأشعروهم بأنهم على قناعة تامة بما آمنوا به .
( [1] ) سيرة ابن هشام 1/321 , دلائل النبوة للبيهقي 2/206 , البداية والنهاية 3/62 , وذكره الصالحي من رواية الحافظ محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات عن الزهري عن سعيد بن المسيب وصحح إسناده , سبل الهدى والرشاد 2/352 .
( [2] ) يعني في نهاية هذه القصة , وينبغي أن يعلم أن أبا سفيان قد أسلم يوم فتح مكة .
( [3] ) دلائل النبوة للبيهقي 2/198 , وذكره الحافظ ابن كثير من رواية البيهقي - البداية والنهاية 3/59. وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه , وأقره الحافظ الذهبي - المستدرك2/506 .