فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومن الوفاء بأمانة الكلمة وحمايتها ، حماية الكلمة الطيبة وحماية حقها أن يُعتدى عليها ، وحماية صاحبها .
إن"الفكرة الصادقة"و"الكلمة الطيبة"هي من أعظم ما يقدمه المؤمن في حياته . إنها باب من أبواب الجهاد في سبيل الله . وإنها خفقة من خفقات الحياة . إنها الحياة التي يعرف بها الناسُ صاحبها ، والعزم الذي يتقدم به في دربه ، والأساس المتين الذي يلتقي عليه الصادقون ، والنور الذي يشقُ الظلمات . فمن اعتدى على"الكلمة الطيبة"و"الفكرة الطيبة"فكأنه زلزل أساس اللقاء بين المؤمنين ، وأطفأ النور والضياء .
إن"الفكرة الصادقة"و"الكلمة الطيبة"قطعة من الإنسان المؤمن ، من كبده وقلبه ودمه ، إنها تخرج من أعماق أحنائه ، وأعماق نفسه ، فمن اعتدى عليها فقد اعتدى على الحياة ، على القلب ، وكأنه سفك الدم وأحلّ القتل الظالم . إنها جريمة كبيرة في حق الإنسان .
إن"الفكرة الصادقة"و"الكلمة الطيبة"شرف الإنسان المؤمن ومروءته وعرضه . وهي جوهر حياة الإنسان . ولا بأس أن نذكر ما قاله شكسبير:"من سرق حافظة نقودي فقد سرق شيئًا تافها ، ومن سرق شرفي فقد سرق كل شيء"
إن حماية الفكرة والكلمة حماية لحياة الناس جميعًا ، وأمن المجتمع ، وصون الأعراض ، وحماية الروابط والعلاقة . إن حماية ذلك كله جزء من بناء الأمن ، والوفاء بالأمانة .
والمسلمون يجب أن يكونوا أحرص الناس على حماية الفكرة والكلمة وحقوقها وحقوق صاحبها . ولكن بعض المسلمين اليوم ضيع من هذه الأمانة ومن الوفاء بها الشيء الكثير .
نشرت إحدى المجلات مقالًا وصلها من كاتب يطلب نشره . نشرت معه الأصل الذي سرق الكاتب منه مقالته حرفًا بحرف . فأي خزي أكبر من ذلك .
تقدم شابٌّ لنيل شهادة الدكتوراه في بحث عن الشورى . فنقل نقلًا حرفيًا واحدًا وثمانين صفحة من كتاب في الشورى لمؤلف آخر دون أن يشير إلى ذلك . ولما عرفت الجامعة ذلك درست الموضوع وحقَّقت فيه ، وكذلك الجهات المختصة ، وأوقفت أمر الشهادة .
شاب يشترك في ندوة شعرية فيلقي من جملة ما يلقيه واحدًا وعشرين بيتًا يأخذها بحرفيتها من ديوان شاعر آخر ، وينسب الأبيات لنفسه .
مجلة تأخذ فقرات من كتاب تنقلها حرفيًا أو تضيف كلمة وتحذف كلمة ، ثم تنشرها بتوقيع كاتب آخر . وعندما يُراجع في ذلك صاحب المجلة يقول بكل هدؤء:
وماذا في ذلك كل الصحف تفعل مثلنا . فقيل له . كنت في خطأ فصرت في أخطاء جميع الصحف والمجلات التي تحترم الكلمة لا تفعل ذلك .
هذه نماذج مكشوفة من عدم الوفاء بأمانة الكلمة . ولكن الناس مَهَروا في الوسائل والأساليب . فمنهم من تعجبه"الفكرة"في كتاب ، فيأخذها ويغير من صياغة صاحبها ، ويعيد نشرها ، كأنها كلمته . وحين يُسأل يقول: إنها خاطرتي ، وإنها"مثل وقع الحافر على الحافر"! وإذا سُئل لماذا لم يُشِرْ إلى دراسة سابقة لهذا الفكرة وقد عُرِضَتْ عليه ، يصمت . وقد يقول يا أخي كله عمل لله وهذه أشياء بسيطة . ولما يجد أن الأمر قد وقف عند ذلك ، يتمادى ويبحث عن فكرة جديدة يسطو عليها ويعيد نشرها بصياغة تقترب أو تبتعد عن الأصل . إنها مهارة ولكنها مهارة المفسدين في الأرض ، مهارة الضّالّين ، لن تعود إلا بالشرّ على صاحبها .
وكأنما يتصور بعض الناس أن عزه أن يثبت وجوده في ساحة الفكر والبيان بأي طريقة ، فيتنافس الناس عندئذ الدنيا ، وتفسد النيّة ، وتفسد الكلمة ، ويبهت النور ! ما أكبرها من جريمة .
إن الله سبحانه هو الذي يبارك الكلمة ويطلق نورها ، وإن الإنسان يفسد على الناس بركتها ويُذهِب نورها بظلمه وعدوانه ، من خلال ابتلاء كتبه الله على عباده ، ليُمحِّص ما في الصدور ويكشف النيات ، ولتقوم الحجة لهم يوم القيامة أو تقوم عليهم .
وعندما يُعتدى على الكلمة أو الفكرة ، يُعتدى على غيرها ، فتتمزق الكلمات والأفكار بين هذا وذاك ، بعد أن كانت مترابطة متناسقة عند صاحبها .
ولو كانت"الفكرة"أو"الكلمة"جزءًا من منهج مترابط ، فأخذ هذا فكرة من هذا المنهج وعرضها بين الناس كأنها فكرته وموهبته ، لينال بها الثناء في الدنيا ، ثم أخذ آخر فكرة أخرى يعرضها بنفس النية والسعي وراء زينة الدنيا وعرضها بأسلوب غير كريم ، ثم فعل ثالث ورابع مثل ذلك ، فإن المنهج يتمزق إربًا ، وتضيع قيمته وفائدته ، ولا يجد من يدعو له ، فتكون الخسارة كبيرة . والإثم كبيرًا ، يحمل رائحة الخيانة أكثر مما يحمل رائحة الأمانة ، وقد يقترب الإثم من الجريمة .
المسلمون أولى الناس أن يحترموا حقوق الإنسان كلَّها . وحق حماية أمانة الكلمة والفكرة من أهم هذه الحقوق . ولقد أصبح الحق معترفًا به بين الشعوب كلِّها حتى الوثنية منها ، ومنذ زمن بعيد . فما زلنا نقول حتى اليوم"نظرية فيثاغوروس"، ننسبها لصاحبها ، لا يعتدي عليها أحد . وكذلك سائر النظريات العلمية والأفكار الفلسفية .