فهرس الكتاب

الصفحة 2211 من 27345

ولكن المفسدين في الأرض هم الذين يبحثون عن فكرة يسرقونها ويطيرون بها ، أو فكرة يحرّفونها ، ذلك كله ليكسبوا عرضًا رخيصًا وزخرفًا تافهًا ، ولكنهم يرتكبون جريمة كبيرة .

وعمل المفسدين في الأرض قديم . فقد حرّف أهل الكتاب كلام الله وبدّلوا وغيروا ، واشتروا به ثمنًا قليلًا ، وارتكبوا جريمة كبيرة بحق الإنسانية كلها .

ومهما ظنّ بعض الناس أنهم ناجون في الدنيا . فإن حساب الله شديد ، وعذابه شديد .

ونذكّر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

( ... فإذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة ... ) [ رواه البخاري ] 3

وربما يدّعي بعضهم أن الهدف هو الدعوة إلى هذه الفكرة أو تلك ، إذ المهم أن تنتشر الفكرة بين الناس ليستفيدوا منها . إنها مغالطة كبيرة يلبس فيها الشيطان على ابن آدم فيضلّه:

أولًا: ما الذي يمنع أن تنشر الفكرة وتُعزى لصاحبها .

ثانيًا: كيف يُعطى أحد الحق لنفسه بأن ينال الثناء والأجر من الناس على

كلمة أو فكرة ليست له ، ثم يعتبر أن صاحب الكلمة ليس من

الضروري أن يلتفت إلى ذلك .

ثالثًا: إذا دعا صاحب الفكرة لفكرته أو دعا غيره لها وعزا الفكرة

لصاحبها ، فهناك مجال لأن تكون النيّة صادقة لله . أما إذا دعا

غيره ونسب الأمر لنفسه فقد فسدت النيّة وبطل العمل .

ما أعظم الأمة التي تصون حق الإنسان في كلمته وفكرته بأمانتها وأمانة أبنائها ، أمانة نابعة من إيمان وتوحيد ، وخشية من عذاب الله الشديد .

وما أجمل أن يكون هناك قانون يصد فتنة المفسدين المعتدين ، ويحمي الكلمة وثروة الأمة ، ويحمي صف المؤمنين من وهن الضُعفاء وفتنة المنافقين ، وتسلل الشياطين .

إن منهاج الله يوفر هذا القانون لمن يلتزم منهاج الله ، ولمن يتدبره ويعيه . وإظهار القانون النابع من منهاج الله يوفر الفرصة للكثيرين الذين لم تمتلئ صدورهم بالآيات والأحاديث .

إن الإسلام هو المنهج الحق والدين الحق الذي يكفل حقوق الإنسان كلها ويرعاها . والكلمة والفكرة حقٌّ لصاحبها ، ولا تنفصل عنه ، وحق لكل من يؤمن بها أن ينشرها ويدعو لها دون أن يعزوها لنفسه صراحة أو بالإيحاء .

فما زلنا حتى اليوم ، وسنظل أبدًا ، نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نروي الحديث الشريف . ونقول قال عمر بن الخطاب أو أبو بكر أو أي صحابيّ رضي الله عنهم ، دون أن يعزو أحد القول لنفسه ، إلا ما سرقه بعض مفكري أوروبا من مبادئ الإسلام بعد أن عزلوها عن الإسلام ونسبوها لأنفسهم .

وفي أقوال أبي بكر وعمر والصحابة رضي الله عنهم روائع من الفكر ، يتمنى الكثيرون لو كانت لهم ، ولكن المتقين يروونها وينسبونها إلى قائلها .

فحق الكلمة والفكرة حق لكل إنسان ، وهو حق يرعاه الإسلام لأنه يترتب على هذا الحق مسؤولية يتحملها صاحب الكلمة . فكيف يحلّ لرجل آخر أن يأخذ هذا الحق فيعزو الكلمة لنفسه . وحين تنكشف المسؤولية يفرُّ ويتبرأ ! .

لابد من رعاية حق الكلمة والفكرة حتى تصان الحقوق والمسؤوليات ، وتعرف الحدود والواجبات ، ولا تضيع بين اعتداء هنا وهناك .

إن في الكلمة والفكرة مسؤولية وحسابًا ، وليس حقًا مجردًا للتمتع والزهو والسعي إلى ثناء الناس .

ولذلك كان من مذهب أهل الحداثة عزل الكلمة والفكرة عن صاحبها عزلًا يجعله بعضهم كأنه القتل ، ويجعله موتًا للمؤلف . ذلك لأن المسؤولية عندهم ماتت فماتت معها الحقوق ، واختلطت الأفكار والحقوق والمسؤوليات .

واستمع إلى قوله سبحانه وتعالى:

( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ) [ آل عمران: 188]

فانظر في هذه الصورة: ( .. ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا .. )

فهؤلاء جعل الله لهم عذابًا أليمًا: ( .. فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ) .

وفي الحديث الشريف: ( من ادعى دعوة كاذبة ليتكثر بها لم تزده من الله إلا قلة ) [ رواه ابن كثير في تفسيره ] 4

وفي الصحيحين:

( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ) [ رواه أحمد والشيخان وأبو داود ] 5

وعن أبي ذر رضي الله عنه:

( من ادّعى ما ليس له فليس منا ، وليتبوأ مقعده من النار )

[ رواه ابن ماجة ] 6

هكذا يرعى الإسلام حقوق كل إنسان ، ويحاسبه على مسئولياته حتى الكلمة والفكرة:

( .. وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم .. )

ويقول أحدهم لو أَنه أخذ فكرة أعجبته من كاتب ، ثم أعاد صياغتها ، ثمَّ نشرها باسمه كأنها فكرته ، أو كأنه يوحي إِلى الناس أَنّها من عنده ومن علمه الخاص ، فماذا في ذلك ؟ وهل هذه تعتبر سرقة ؟ ! .

فأجبته لو أنك سرقت سيّارة ، وأعدت طِلاءها ، وغيّرت لونّها ، ولو غيّرْتَ حتى رقمها ، ثم سِرْت بها بين الناس ، فما اكتشفوا سرقتك فهل يسقط عنك إثمُ سرقتك وجريمتك ؟ ! إن هذه الجريمة مضاعفة ، ذلك لأنها جريمة سرقة ، ثم جريمة تزوير ، ثم جريمة خداع الناس وغشهم ، ثم جريمة ظلم صاحب الحق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت