لقد جاءهم القرآن بما لا قبل لهم به ... قد يحاولون ستر ما يصيبهم به من أثر ولكنهم في قرارة أنفسهم يعترفون له, ويقرون به وإلا فلماذا كانوا ينظرون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك النظر الحديد الذي يكاد يزيله من مكانه ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون) ... ولو كان هذا القول الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من كلام البشر كما زعم الوليد بن مغيرة المخزومي فيم كان تفكره وتدبره, وفيم كان عبوسه وبسوره ( إنه فكر وقدر . فقتل كيف قدر . ثم قتل كيف قدر . ثم نظر . ثم عبس وبسر . فقال إن هذا إلا سحر يؤثر . إن هذا إلا قول البشر . سأصليه سقر) إنها المغالطة الجامحة و المعاندة السافرة التي ليس لها من جزاء إلا أن يلج صاحبها نارا تلظى.... لقد كان الوليد بن المغيرة راوية لكلام الناس كان عارفا بالكلام منظومه ومنثوره, هزجه ورجزه, مقبوضه ومبسوطه, مرسله ومقيده, ولقد أنكر أن يكون في القرآن من كلام الناس مشابه ولكن أبا جهل عمل كل حيلة لاستفزازه, و إخراجه عن طوره, وإبعاده عن الإنصاف وذلك إذ قال له إن قومك يتحدثون أنك إنما تأتي محمداً وصاحبه لتصيب من طعامهما وإنهم جامعون لك ما يكفيك عن التكفف, ويغنيك عن السؤال فثارت حمية الرجل, وفار غضبه وأرغى وأزبد وسأل في دهشة أو لست بسيد الوادي؟ أو لست بأكثركم مالاً؟ قال أبو جهل هو ذاك إلا أن تقول فيه قولاً يكرهه ...فطلب الوليد مهلة فيها يفكر ويعيد النظر ويقلبه فاهتدى إلى هذا القول السخيف المتهافت ( إن هذا إلا قول البشر) وإن الوليد ليعلم وإن العرب ليعلمون أن بينه وبين قول البشر بوناً لا يدرك ومندوحة لا تقطع ولكنها المغالطة و الكبرياء و الجحود ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) .