فهرس الكتاب

الصفحة 10634 من 27345

من خلال ذلك استمرّ مسلسل التنازل في العالم الإسلامي: في ميدان الفكر و الأدب ، والاقتصاد ، حتى أخذ صورته الأوسع والأقسى في ميدان الصراع السياسي ، يتمثل في العدوان الإجرامي على جميع بلدان العالم الإسلامي ، وليكون العدوان الأكبر والظلم الأشد يتمثل في قضية فلسطين التي استغرقت في صورتها الحديثة أكثر من قرن . وتمثل فيها مسلسل التنازل على أوضح ما يكون .

ابتدأت قضية فلسطين بإصدار دوليّ على جعلها قاعدة يتجمَّع فيها اليهود ويقيمون فيها دولتهم ، تحميها الدول الغربيَّة كلُّها وعلى رأسها اليوم أمريكا . ولم يفلح المسلمون منذ البداية في معالجة هذه القضيّة ، وهم ممزّقون أقطارًا وديارًا ، وشيعًا وأحزابًا ، وأهواءً ومصالحَ .

خلاصة ما تمّ باسم النظام العالمي الدولي ، وهيئة الأمم المتحدة ، ومجلس الأمن ، وحقوق الإنسان ، والحريَّة والإخاء والمساواة ، والديمقراطية ، وحقوق الشعوب، والعلمانيّة ومشتقاتها ، خلاصة ما تمّ باسم هذه الشعارات والقوى التي تدعمها أن نُزعَ أصحابُ الأرض المقيمون فيها من آلاف السنين وأخرجوا منها ، وأُتيَ بأُناس لا علاقة لهم بفلسطين ، لا من الناحية التاريخية ، ولا الاجتماعية ، وهم لا يعرفونها ولا ينتسبون إليها ، جُمِعوا من روسيا وبلدان أوروبا وأمريكا والعالم العربيّ وغُرِسوا فيها . ودار الصراع الذي ما زال دائرًا حتى اليوم ، والذي سيطول أمره ومداه .

كان من أبرز معالم قضية فلسطين في العصر الحديث المفاوضات لقد كانت المفاوضات أسلوبًا دعا إليه الغربُ وسعى إِليه العرب ، حين كان الغربُ متمكّنًا بسلاحه وجيوشه وقوته . وكان اليهود خلال ذلك يبنون قوتهم في جميع الميادين ، ويبنون علاقاتهم على أساس مصالحهم . وقامت الحركة الصهيونيّة لتمثّل الوجه العَلمانيّ في الحياة اليهودية ، عَلمانيّة قادرة على استغلال الدين وتسخيره لمصالحها . وكان الغَرب قد استقرّت العلمانية فيه نظام حياة يقّره الدستور ، علمانيّة قادرة على استغلال الدّين وتسخيره لمصالح الطبقة المسيطرة .

من خلال التحوّل الذي تمَّ في أوربا نحو العلمانيّة ، والتحوّل الذي تمّ في المجتمع اليهوديّ نحو العلمانيّة تقوده الصهيونيَّة ، من خلال هذا التحوّل الذي كان يستغل الدين ويسخّره لمصالح الطبقة المسيطرة هنا وهناك ، تمَّ لقاء العالم النصرانيّ الذي تحول إلى العلمانيَّة والعالم اليهوديّ الذي تحوّل إِلى العلمانيّة ، لقاءَ مصالح ماديّة ، لقاءً تمَّ من خلال مفاوضات وتخطيط ، لا ارتجال معه ولا عفويّة ، ولكن دراسة وتصميم قام على المصالح الدنيوية المشتركة المغلّفة بالشعارات . كلا الفريقين أصبح تفكيره ونهجه عَلمانيّا ، يضع الدّين جانبًا بالنسبة لنظام حياته وحكمه ، ولكن يستغلّه ليؤمِّن مصالحه المادية الدنيوية . فجعل من الحركات التنصيرية ونشاط المستشرقين وأجهزته الأُخرى مُمِّهدًا لزحف الجيوش الكاسحة المعتدية ، لتنهب ثروات هذه الأقطار أو تلك ، وتتقاسمها فيما بينها .

لقد وجدوا من خلال خبرة واسعة في مدى واسع من التاريخ أن العقبة الكبرى أمامهم وأمام أطماعهم وجشعهم وظلمهم وعدوانهم هو الإسلام كما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، الدين الحقَّ ، دين جميع الأنبياء والرسل ، الدين الذي لم يُحرَّف ولن يُحرَّف . ولقد وجدوا من خلال صراعهم الطويل مع الإسلام أنَّ هذا الدين كما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ـ قرآنًا وسنّة ولغة عربيّة ـ لا يمكن التفاوض معه لإقرار ظلم في الأرض أو عدوان ، أو نهب ثروات ، أو نشر للفساد والفتنة في الأرض . لقد وجدوا لذلك أنه هو العقبة الكؤود أمامهم ، فلا بّد من إزاحة هذه العقبة بهذه الوسيلة أو تلك . لقد حاولوا سياسة العدوان الظالم ، والفتك وعمليات الإبادة . ولكنها لم تستطع أن تخمد جذوة الإيمان والتوحيد ، شعلة الحق ودين الحق ، فقامت حركات متعدّدة هنا وهناك تجاهد ضد المحتل الغاصب المجرم . وظلت هذه الحركات الجهاديّة مستمرّة لا تتوقّف في جميع أَنحاء العالم الإسلامي . ولكن المجرمين استطاعوا من خلال عدوانهم نشر الفتنة والفساد ، والخلافات والصراع ، والشهوات ، وبث الأفكار العلمانيّة بمذاهبها المختلفة . ولقد أصابوا في هذه الخطوات نجاحًا ملحوظًا ، وتكوّنت قوى مؤيدة لها في قلب العالم الإسلامي .

لقد وجدت هذه القوى أن صراعها لن يكون لصالحها إذا أرادت أن تقضي عليه . فرأت أن تغيّر اتجاه الفكر الإسلامي ، بدلًا من أن تلغيه ، ليظل يحمل شعار الإسلام ، ولكن ينشر فتنة هنا وانحرافًاُ هناك . وقد يتمّ هذا تحت شعارات معاداتهم ، من خلال خُطة مدروسة يمكن أن تحوّل جهود الخصم لصالحها ، دون أن يشعر الخصم بذلك أو بشعوره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت