قال: نعم والله ، يا ابن أخي ، وما هو أكثر! لقد بلغني أنهم يصرخون في النار حتى تنقطع أصواتهم ، فما يبقى منهم إلا كهيئة الأنين من المدنف .
فصاح الفتى: إنا لله ! واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة ! واأسفاه على تفريطي في طاعتك يا سيداه ! واأسفاه على تضييعي عمري في دار الدنيا !
ثم بكى ، واستقبل القبلة ، فقال: اللهم ! إني أستقبلك في يومي هذا بتوبة لا يخالطها رياء لغيرك ، اللهم ! فاقبلني على ما كان في ، واعف عما تقدم من فعلي وأقلني عثرتي ، وارحمني ومن حفدني وتفضل علينا بجودك وكرمك ، يا أرحم الراحمين ! لك ألقيت معاقد الآثام من عنقي ، وإليك أنبت بجميع جوارحي صادقًا لذلك قلبي ، فالويل لي إن لم تقبلني !
ثم غلب فسقط مغشيًا عليه ، فحمل من بين القوم صريعًا . فمكث صالح وإخوته يعودونه أيامًا. ثم مات ـ والحمد لله ـ فحضره خلق كثير يبكون عليه ويدعون له . فكان صالح كثيرًا ما يذكره في مجلسه فيقول: ويأبى قتيل القرآن ، ويأبى قتيل المواعظ والأحزان ! قال: فرآه رجل في منامه ، قال: ما صنعت ؟ قال: عمتني بركة مجلس صالح فدخلت في سعة رحمة الله التي وسعت كل شيء..
ـ 4 ـ
من كلام صالح بن بشير المري(
4)الواعظ النقي الكثير البكاء من خشية الله ـ رحمه الله: قوله:
يا عجبًا لقوم أمروا بالزاد ، وأذنوا بالرحيل ، وحبس أولهم على آخرهم وهم يلعبون .
وعزى رحمه الله رجلًا بأبيه فقال له:
لئن كانت مصيبتك لم تحدث لك موعظة في نفسك ، فمصيبتك بأبيك جلل في مصيبتك في نفسك ، فإياها فابك .
وقال عمار الحلبي: سمعت صالحًا يقول:
ما بينك وبين أن ترى ماذا لله عليك فيما تحب ، إلا أن تعمل فيما بينك وبين خلقه فيما يحب ، فحينئذ لا تفقد بره ، ولا تعدم في كل أمر خيره .
وكان من دعائه:
اللهم إني أسألك خوفًا غير ناهض ولا قاطع ، خوفًا حاجزًا عن معصيتك مقويًا على طاعتك ، وأسألك صبرًا على طاعتك وصبرًا عن معصيتك .
وكان يتمثل بهذا البيت:
وغائب الموت لا ترجون رجعته
إذا ذوو غيبة من سفرة رجعوا
ثم يبكي ويقول: هو والله السفر البعيد ، فتزودوا لمراحله (فإن خير الزاد التقوى) واعلموا أنكم في مثل أمنيتهم فبادروا الموت واعملوا له قبل حلوله ثم يبكي .
الهوامش:
"حضارة الإسلام"السنة 15 العدد 3 جمادى الأولى 1354 حزيران 1974 .
(1) هو صالح بن بشير، أبو بشر المعروف بالمري الناجي ، اشتهر بالصلاح والتقوى ، والإخلاص في الموعظة والقدرة على التأثير، قال ابن حبان: كان من عباد أهل البصرة وأقرأهم . وهو الذي يقال عنه صالح بن بشير المري الناجي ، وكان من أحزن أهل البصرة صوتًا وأرقهم قراءة ، غلب عليه الخير والصلاح حتى غفل عن الإتقان في الحفظ . توفي سنة 172 أو 176 هـ .
(2) أخرجه البخاري في الإيمان (باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) الجامع الصحيح مع الفتح (1/56) ومسلم في الإيمان رقم 45 ، والنسائي باب علامة الإيمان (8/115) والترمذي في صفة القيامة رقم 2517 وأخرجه ابن ماجه في المقدمة رقم 66 . وفي رواية"حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير"قال الحافظ في"الفتح": (والمراد بالنفي كمال الإيمان ، ونفي اسم الشيء ـ على معنى نفي الكمال عنه ـ مستفيض في كلامهم ، كقولهم: فلان ليس بإنسان . فإن قيل: فيلزم أن يكون قد حصلت له هذه الخصلة ، مؤمنًا كاملًا وإن لم يأت ببقية الأركان ، أجيب بأن هذا وارد مورد المبالغة ، أو يستفاد من قوله:"لأخيه المسلم"ملاحظة بقية صفات المسلم . وقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي عدي عن حسين المعلم بالمراد . ولفظه"لا يبلغ عبدٌ حقيقة الإيمان"ومعنى الحقيقة هنا: الكمال ، ضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافرًا) فتح الباري (1/57) .
(3) نفسه: س 6-ع3و4جمادى1و2/1385-أيلول وتشرين الأول 1965.
(4) ترجم له أبو نعيم الأصفهاني وغيره . قال عبد الرحمن بن مهدي: جلست مع سفيان الثوري في مسجد صالح المري ، فتكلم صالح ، فرأيت سفيان الثوري يبكي وقال: ليس هذا بقاص ، هذا نذير قوم . وعن عفان بن مسلم قال: كنا نأتي مجلس صالح المري نحضره وهو يقص ، فكان إذا أخذ في حديثه كأنه رجل مذعور يذعرك أمره من حزنه وكثرة بكائه كأنه ثكلى ، وكان شديد الخوف من الله كثير البكاء .