وفي سنة 1971 (أي بعد تخرجي في كلية دار العلوم بثلاثة عشر عامًا) أُعرت للعمل بدولة الكويت لمدة أربع سنين. وكان من مهامي تدريس اللغة العربية والثقافة الإسلامية -بجامعة الكويت- للطلاب الأجانب.
وكنت أشعر بالسعادة وأنا أري هؤلاء الطلاب وفي أيديهم كتب سيد قطب مترجمة إلي الإنجليزية والفرنسية والملاوية... وغيرها. وسألت بعضهم عما يعرفونه عن سيد قطب, فاكتشفت أنهم يعرفون عنه, وعن الإمام الشهيد حسن البنا الكثير والكثير. لقد صدق الشاعر العربي الذي قال:
وإذا أراد اللهُ نشرَ فضيلة
طُويتٍ أتاح لها لسانَ حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت
ما كان يُعرف طيبُ عَرف العود
فُورد للسيارات والإخوان المسلمون
وفي أحد أيام مارس 1972 أخبرني أستاذنا عبد السلام هارون -رحمه الله- وكان رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الكويت- أن أحد طلاب الدراسات العليا -وهو أمريكي الجنسية- يجمع المادة العلمية لكتابة أطروحة يحصل بها علي درجة الدكتوراه. وبعثته علي نفقة شركة «فورد للسيارات» .وموضوعها / الاخوان المسلمون 0
-عجبًا وما المنفعة التي تعود علي الشركة من هذه الدراسة?... إنهم حقًا أغبياء..!!
-لا ليسوا هم الأغبياء, ففي كل شركة من الشركات العالمية الكبري -غير العلماء والخبراء المتخصصين- لجنة فيها عالم جغرافي, وآخر قانوني, وثالث عالم بالأديان والمذاهب, ورابع عالم اجتماعي.... إلخ» وذلك للقيام بدراسة شاملة لأحوال البلد الذي سيفتحون فيه فرعًا, أو يتخذون فيه توكيلًا, وأثر هذه الأحوال في ترويج السلعة أو كسادها.
وذكّرني -رحمه الله- بكساد مشروب «البيبسي كولا» في بلاد الشرق العربي, وكيف قاطعها المسلمون بعد صدور فتوي من عالم ديني بأنها حرام شرعًا لأن مادة «الببسين» المستخرجة من كبد الخنزير - تدخل في تصنيعها. وهذا يؤكد تأثير العامل الديني في الاقتصاد والحركة التجارية.
وفي النقد: ممنوع سيد قطب
ولا أقصد بهذه الكلمة السيد جابر عصفور الذي كتب في الأهرام مقالات عن النقاد في القرن العشرين, لم يشر فيها -مجرد إشارة- لسيد قطب. إنما أقصد واقعة خلاصتها أن وزارة التربية والتعليم المصرية قررت كتابًا باسم «فصول مختارة من النقد» علي الصف الثاني من معاهد المعلمين (القسم الخاص سنتين بعد الثانوية العامة) والكتاب يضم أكثر من عشرة فصول من النقد لأساتذة مختلفين. وفي الكتاب فصل لسيد قطب عنوانه «القيم الشعورية في العمل الأدبي» وهو مستل من كتابه (النقد الأدبي أصوله ومناهجه) ولم يلتفت أي طالب لوجود هذا الفصل في الكتاب لأنه لم يكن ضمن ستة فصول اختيرت من الكتاب مقررًا. وصدر أمر رياسي في منتصف الستينيات من القرن الماضي بجمع الكتاب من الطلاب, وإعادته لهم بعد نزع هذا الفصل وحرقه. ولم يُحضر الكتاب إلا قرابة نصف الطلاب, وتم تشكيل لجنة في كل معهد لحرق الفصل المنزوع, مع أنه أدبي نقدي بحت, وأعيدت الكتب إلي أصحابها الذين لا يزيدون علي النصف, واعتقد الطلاب أن في الفصل المنزوع ما هو مهم خطير, فقرأه واستوعبه, من لم يُحضروا كتبهم, وتمكن الآخرون من قراءته كذلك, بل إن بعض المكتبات طبعت الفصل في كتيبّ صغير عنوانه «النقد المرفوض» بقلم سيد قطب, ووُزع هذا الكتيبّ علي أوسع نطاق. ولو «سكت» المسئولون العباقرة في وزارة التربية والتعليم, ما التفت إلي هذا الفصل أحد. والفصل -كما أشرت- لم يكن مقررًا مع أنه كان ضمن فصول الكتاب. ومرة أخري يقفز إلي خاطري قول الشاعر القديم:
وإذا أراد الله نشر فضيلة
طُويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت
ما كان يُعرف طيبُ عَرف العود
يعلم الله أنني لم أكتب هذه الكلمات عن شهيد الإسلام سيد قطب «حرصًا مني علي الاشتراك في المعمعة -أو المعركة- حول سيد قطب» وهو ما ذكره الأستاذ حسنين كروم بصحيفة «القدس العربي» .. ولكني كتبت ما كتبت اعتزازًا بالشهيد العظيم في ذكري استشهاده, وليس هناك معركة أخوض غمارها, ولا شبه معركة.
وصاحب «السيادة» فيما أكتب هو قلمي يسجل -دون تخطيط سابق- بعض ما رأيت, وبعض ما خطر لي بصورة عفوية حرة بلا انتظام زماني أو مكاني . فلأترك قلمي يواصل مسيرته دون «حظر» أو قيود.
طائفتان من الناس
رحم الله سيد قطب» شهيد الإسلام والفكر والإنسانية, فمن فضل الله علينا وعليه وعلي المسلمين أن الدعوة التي آمن بها, وعاش لها, واستُشهد من أجلها انتشرت علي أوسع نطاق علي أيدي طائفتين متناقضتين من البشر:
الطائفة الأولي: تلاميذه, ومريدوه, ومن تربوا في مدرسة الإخوان.
والطائفة الثانية: طائفة الحقدة والحاسدين الذين تمنوا بعض ما رزقه الله, فخابت أطماعهم, وأبوا إلا تجريحه, والإزراء بما أعطي وقدم من فكر وأدب.
وبحقدهم هذا فتحوا عيون الآخرين علي سيد قطب, فبحثوا عن الحقيقة, وقرءوا سيد قطب, وجهده وجهاده, وعطاءاته القرآنية والأدبية, فعلموا ما لم يكونوا يعلمون. وارتفع سيد وفكره في أنظارهم, وأنوف الحاقدين في الرغام.