فهرس الكتاب

الصفحة 18314 من 27345

وكتب الجبرتي في يوميتي الأحد والإثنين 15، 16 من يوليو 1798"وبدأت المناوشات.. فلم تكن إلا ساعة، وانهزم مراد بيك، ومن معه.. ودخل الرعب قلب مراد بيك، وولى هاربًا منهزمًا، وترك الأثثقال والمدافع، وتبعته عساكره..وحضر إلى بر إمبابة، وشرع في عمل المتاريس.. ثم هجم الفرنساوية، وكانت الهزيمة المنكرة، وهرب مراد بيك، وصار قطر مصر ـ كما يقول الجبرتي"من أوله إلى آخره في قتل ونهب، وإخافة طريق، وقيام شر، وإغارة على الأموال، وإفساد المزارع، وغير ذلك من أنواع الفساد الذي لا يحصى.."."

والحرب الوقائية!!!

وأترك الجبرتي لأستحضر واحدًا من أيام صيف سنة 1965م ـ أي من أربعين عامًا ـ وكنا قرابة ثلاثمائة من الحضور نستمع لمحاضرة يلقيها أحد ضباط الميمونة الكبار، وهو"حسن صبري الخولي"عن"مكانة مصر الثورة في عالم اليوم"وسأله سائل عن موقف حكومة الميمونة من"إسرائيل المزعومة"وما يتردد من أنها تضع اللمسات الأخيرة في قنبلتها الذرية، وكان جواب الرجل

ـ"إحنا مش ساكتين"وحينما يتأكد رجال مخابراتنا من أن هذه الدولة المزعومة ستنتهي من اختراع قنبلتها الذرية بعد ثلاثة أيام مثلًا.. نكون نحن بعد يومين فقط قد قمنا بشن"الحرب الوقائية"عليهم، وبذلك نجهض ما اخترعوا إلى الأبد.ـ (تصفيق حاد جدًّ) واشتهر مصطلح"الحرب الوقائية"وسمعناه وقرأناه مئات المرات، ولم نر له"تطبيقًا عمليًا ميدانيًا"في حياتنا ..,كل الذي رأينه وعشاه.. مصيبة العدوان الكارثي الذي صبته علينا إسرائيل في 5/6/1967م، وما زلنا نجني ثمراته المرة حتى الآن... ورحم الله"مراد بيك"و"عبيد"مراد بيك..وموقعة إمبابة.. وغفر الله لحسن صبري الخولي.

الرفاهية.. عشرة أضعاف!!

والواقع الذي يعيشه شعبنا المطحون يقطع بأن هناك ثمانية ملايين مواطن يعانون البطالة، ومثل هذا العدد يعيشون"العنوسة"وأن نصف هذا الشعب أي 50% منه يعيشون تحت خط الفقر، وأن متوسط دخل الفرد اليومي لايزيد على جنيه واحد ونصف جنيه، أما نار الغلاء فحدث عنها ولا حرج.

ومع ذلك نجد"الكبار جدًّا"ومن يسيرون على دربهم من"نشامى"الصحف القومية (أعني المسماة بالقومية) يزعمون أن شعبنا يعيش أزهى"عصور الرفاهية"وأن رفاهية هذا الشعب ـ شعب مصر المبتلاة المخروسة قد ضوعفت عن ذي قبل عشر مرات (!!)

وبمنهجنا الذي نكتب به، وحتى تسلم وتصح أحكامنا، نجد لزامًا أن نحدد مفهوم هذه"المفردة المدللة المظلومة"وهي (الرفاهية) :

فهي لا يمكن أن يكون لها وجود عملي إلا إذا كان الشعب يعيش حد"الكفاية"من ضرورات الحياة: من مأكل ومشرب، وملبس، ومسكن، وتعليم، والشعور بالطمأنينة والأمن والاستقرار، أي يشبع الضرورات المادية، والضرورات النفسية والمعنوية، وكل أولئك أشار إليه قوله تعالى: (.. أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"."

ثم بعد ذلك يكون"للرفاهية"مكان فيتمتع المواطن بمظاهر الترف والتسلية، والكماليات، أي ما يزيد على حد الضرورة.. من سيارة، وتلفاز، وحديقة... وتمتع بالمصيف ... الخ، في حدود الحلال طبعًا

واستقرار الشعب، والحكم على مستواه حكمًا عادلًا يقاس بالأولى لا الثانية، فلا قيمة للثانية بغير الأولى، وإلا كان ذلك ضربًا من الإخلال المتمرد على حدود العقل والمنطق، كالذي يقتني سيارة وهو يعيش بأسرته في مسكن لا يصلح للاستعمال الآدمي.

والقياس على الماضي في إثبات هذه المضاعفة العشرية يعد قياسًا فاسدًا؛ لأننا لو أخذنا بقاعدة المضاعفة العشرية بإطلاق لوجب أن تصدق على"المرتبات"بحيث يرتفع مرتب الجنيهات المائة إلى ألف جنيه، وهذا ما لم يحدث طبعًا، فالغلاء يفتح"كرشه"لالتهام كل علاوة جديدة يحصل عليها موظف الدولة.

وما ذكرته إنما هو قليل جدًّا من الأكاذيب والتهاويل التي نعيشها في العهد الربع قرني المباركي.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت