ويقول حملة القماقم: أليس من الديمقراطية أن تعدل المادة 76 ليصبح للمواطن المصري -لأول مرة من عهد الملك مينا حتي الآن- الحق في اختيار رئيسه - بالاقتراع الحر المباشر- من شخصيات متعددة? وهنا تذكرت قول الشاعر:
ألقاه في اليمِّ مكتوفًا وقال له:
إياك إياك أن تبتلّ بالماءِ
فالمطلوب ممن يرشح نفسه في مواجهة المرشح الأول وهو مبارك -أو ابنه جمال- أن يوافق علي ترشيحه مئات من مجلسي الشعب والشوري, ومئات من أعضاء المجالس المحلية (وكل هؤلاء حكوميون مباركيون) زيادة علي مئات ألوف من الشعب. فعلي المرشح إذن أن يحقق شروطا مستحيلة .
وإذا أعملت خيالي قلت: إن مثل مرشح الحكومة كمثل مبارز ظل يتدرب علي استعمال سيفه ربع قرن.. وتحدي بعدها أن يبارزه أي مواطن بشرط ألا يحمل سيفًا, أو يستعمل يده. أو ينظر إلي المبارز حامل السيف... مرشح الحكومة. ولكن من حقه أن يعلي صوته أثناء المبارزة «بالشخط, والنطٍر» , أو بالتأوه والأنين, وإكرامًا له, ومن قبيل التشجيع له, ُيمنح قبل المبارزة ربع مليون أو نصف مليون جنيه.
السعدني ومواصفات القادم
ومع أن المسألة محسومة لأحد المباركيين: الأب أو الابن.. يعرض علينا -والأدق أن نقول: يفصِّل لنا- عزت السعدني مواصفات الرئيس القادم وهي: أن يكون لديه دهاء محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة ,وعبقرية إبراهيم باشا في فتح الممالك , وعزيمة جمال عبد الناصر وإقدامه وإيمانه, وفلسفته في الثورة ومقارعة الخطوب , وشجاعة وحنكة وتمرس أنور السادات , وصبر وطول بال وحكمة حسني مبارك...» (عزت السعدني في الأهرام 23/7/2005) . وطبعًا ينتهي السيد السعدني إلي أن كل هذه الصفات لا تتوافر إلا في حسني مبارك. ولو سألتني يا عزت لقلت لك: وفّر علي نفسك عناء البحث, والاستعراض أو النبش التاريخي: وقل: يجب أن يتوافر فيه ما قاله الشاعر أبو تمام:
إقدامُ عمرو, في سماحةِ حاتمٍ
في حلم أحنفَ في ذكاء إياسِ
وأنت تعلم أن عمرو بن معْدِ يكَرِب يُضرب به المثل في الشجاعة, وبحاتم الطائي في الكرم, وبالأحنف بن قيس في الحلم والعفو عند المقدرة, وبإياس بن معاوية في الذكاء والعبقرية.
لقد قلت في مقال سابق: إن القول بأن مبارك لا بديل له يعني أننا شعب متوقف.. بل متخلف... لأن الملايين السبعين عجزت عن إنجاب شخص. أو شخصيات في حجم مبارك عقلًا.. وفكرًا.. وقدرة.. وخبرة...
يقول لي صاحبي ـ وأنا أحاوره ـ ما لي أراك تحمل حملة شعواء على التهويل والمهولين، وتغض النظر عن التهوين والمهونين أو المستهينين؟ قلت يا صاحبي، فلننطلق من التعرف على المفردات حتى نكون على بينة من المضامين، وحتى لا نقع في ظلم الآخرين، كما ظلموا الناس والحق والحقيقة.
التهويل يا صاحبي - كما تعلم ـ يعني النفخ في المحكوم عليه بشرًا أو عملًا أو سلوكًا، أو ظاهرة , وتضخيمه بإسراف وغلو حتى يكون أكبر من واقعه بكثير، بكثير جدًّا، أما التهوين فبالعكس، فهو استصغار، واستهانة، ولا مبالاة، وأنا ـ بما عرضت من قبل ـ ما أغفلت، وما قصرت، وما خلطت؛ لأن"التهويل"و"التهوين"وجهان لعملة واحدة، يصعب ـ بل يستحيل الفصل بينهما: فكل تهويل صريح يحمل في طياته،"تهوينا ضمنًا"،والعكس صحيح، فإذا هولت مثلًا في قوة عساكرنا، فهذا يتضمن تهوينا، واستصغارا لقوة أعدائنا، مثال ذلك ما نجده في خطب عبد الله النديم أثناء الثورة العرابية ومنها قوله:"إن طوابينا على ساحل الإسكندرية تستطيع أن تدك بطلقات مدافعها عاصمة بلاد الإنجليز"وجاء الواقع ليدك الأسطول الإنجليزي بمدافعه الحديثة هذه الطوابي التي كانت قذائفها تسقط في مياه البحر قبل أن تصل إلى السفن الإنجليزية، وهو مثال صارخ من تهويل"القوة الذاتية"والتهوين ـ في الوقت نفسه من قوة الأعداء.
بعضًا من عبيدك يا سيدي!!
والأمثلة في هذا المقام أكثر من أن تحصى، مع ملاحظة أن هذه الظاهرة بوجهها ـ التهويل والتهوين ـ لا يتخلى عنها قيم دنيا ساقطة مثل الغرور ـ إلى حد الساوية ـ وقصر النظر، وضيق الأفق، والغباء والنفاق، وكل أولئك يتفاعل لتحقيق النتيجة التي ينشدها، ويرجوها هؤلاء الخاسرون.. الضالون المضللون.
ويسعفنا المؤرخ العظيم عبد الرحمن الجبرتي بالمثل الصارخ في هذا المقام وخلاصته أن نابليون أو"بونابرطة"، كما كانوا يدعونه آنذاك، كما نزل"البر المصري"بحملته، واستعد له"مراد بيك"قال بعض بطانته: يا بيك إن"بونابرطة"لا يستحق كل هذا، فأرح نفسك، وأرسل إليه بعض عبيدك يأتوك برأسه"، وتدفق مراد غرورًا، ولكنه حرص على أن يمحق جيوش"الفرنساوية"محقًا"