وقد لُوحظ في العامين الأخيرين بروز شخصيات دينية في عواصم عربية ممن لها عداء صريح مع التيار السلفي، وكان لافتًا للنظر أن هذه الشخصيات أُوكل إليها ـ بقرارات مباشرة ـ قيادة مراكز ومؤسسات دينية رسمية كبيرة ومؤثرة ونافذة في بلادها، بما يعني أن الرسالة الجديدة للمؤسسة الدينية الرسمية هي إضعاف ما يعتبرونه"نفوذًا سلفيًا"وأيضًا الترويج للأفكار والفتاوى والمناهج وحتى العقائد التي يرون أنها مغايرة لما عليه الإحياء السلفي.
أيضًا لوحظ نشاط دولي طارئ ومكثف لتشكيل مرجعيات علمية وفقهية إسلامية، تعالج ما يسمى"قضايا الشأن العام"جُمِع لها العشرات من العلماء والفقهاء من أنحاء عدة من العالم العربي ومن المهجر، وكل ذلك في ظل تهميش واضح للشخصيات العلمية السلفية التي تم استبعادها تقريبًا بالكامل، مع أن مثل هذه المجامع احتفت وأصرت على مشاركة رموز علمية تنتمي إلى مذاهب متعددة من خارج أهل السنة أصلًا، بما يعني أن التقارب المستقبلي ممكن مع هذه المذاهب، ولكنه غير مطروح مع التيار السلفي ومدارسه، وفي هذه النقطة ينبغي أن نوضح أن التحفظات لا تتصل بالمشاركين في هذه المراجع فمنهم بعض ذوي الفضل والعلم، ولكنهم ـ في النهاية ـ ضيوف على عمل مؤسسي جديد رتب له آخرون، وأعدّوا له صيغته وقانونه وهيكله بصورة معينة وبما يخدم توجهات معينة، وهذا هو الذي نلفت الانتباه إليه ونتوقف عنده بالكثير من علامات الاستفهام.
في الوقت نفسه ـ أيضًا ـ لوحظت الحملة الدولية الواسعة النطاق ضد المؤسسات الخيرية الإسلامية، وكان الغريب أن التركيز هو على المؤسسات الخيرية التي تتسم بالمنهج السلفي في دعوتها ومنهجها ورموزها، بينما لم يقترب أحد من مؤسسات أخرى، أو كان المساس بها هينًا، بالمقارنة بمؤسسات خيرية إسلامية سلفية عُوملت بقسوة مفرطة وبإصرار كامل على إلغاء وجودها من أساسه وليس مجرد إصلاحها.
والذي يتابع مواقف الأطراف المتعددة في المنطقة العربية، وفي منطقة الخليج تحديدًا، من الملف العراقي وتحولاته ومستقبله، ويتأمل في التحالفات الفكرية والسياسية التي تتم الآن، وتتبلور معالمها في مقالات صحفية وتحليلات وحوارات فضائية، يندهش غاية الاندهاش من التوافق العجيب في الرؤى والتصورات والأهداف بين حداثيين وعلمانيين خليجيين ينتسبون إلى السنة، وطائفيين متطرفين من المنتسبين للشيعة في العراق وخارجه، ومحلّلين وكتاب أمريكيين وصهاينة، تتفق رؤاهم جميعًا ـ في هذا التحالف الجديد ـ في وصف أطراف النزاع وفي تصور المستقبل المطروح للعراق، وتحديد أين الخطر في نظر هؤلاء جميعًا، وحصره ـ في البداية ـ في"المقاومة السنية"ثم تحديد التحدي بوضوح، وهو الوجود السني السلفي، وهي توافقات لا أظن أنها عفوية أبدًا، كما أنها تنبئك بما سوف تكون عليه تحالفات المستقبل، العقدية والفكرية والسياسية، في المنطقة .