فهرس الكتاب

الصفحة 16052 من 27345

عجبًا، هل ينكر أحد منا حرمة النظر إلى المرأة الأجنبية، أو حرمة الغناء وآلات الطرب، أو حرمة النظر إلى ألعاب السحر والشعوذة، بل تعرض على الناس برامج، إذا تأملت فيمن أنتجها وصاغها، بل وكتب حواراتها، وجدت أكثرهم من الفساق، وشراب الخمور، وأصحاب الشهوات المسعورة، يحاربون الله ورسوله، ويكسبون الأموال.

لقد تبلدت أحاسيس بعض الناس، حتى صاروا يتقبلون أن ينظروا إلى رجل يحتضن بنتًا شابة،لأنه يمثل دور أبيها، أو يضطجع بجانبها على فراش واحد لأنه يمثل دور زوجها، صرنا نأخذ الأمر بعفوية بريئة، صرنا لا ننكر ظهور المرأة حاسرة متكشفة، تعودنا، مناظر احتساء الخمور، والتدخين، والسرقات، والقتل، والسباب، تقبلنا كل هذا على أساس أنه تمثيل،

أي تقوى تحققها هذه البرامج،إنها والله تقضي على البقية الباقية من الإيمان، بل إنها تتبع ما تبقى في القلب من تقوى وتزيلها.. فهل يليق هذا برمضان، شهرِ الحسنات، والرحمات ؟!

سبحان الله، أين ليالي رمضان، التي كانت تقضى، بين قارئ للأذكار،ومستغفر بالأسحار، كانت تقضى بين ساجد خاشع، وقائم خاضع، لصدر أحدهم أزيز كأزيز المرجل من البكاء، الكل في هدوء وسكينة، تتنزل عليهم الرحمات، ويباهي الله بهم ملائكته، فجاء التلفاز وأبدلها بالأفلام، والمسلسلات، وجولات المصارعة الحرة، وكرة القدم، والأدهى من ذلك كله،أن يُخدَع الناسُ في رمضان بما يسمى مسلسلاتٍ الدينية، ففي شعبان يظهر الممثل في دور ماجن فاجر، يقبل خليلته ، ويشرب الخمر، فإذا دخل رمضان، رأيته في شخصية أبي بكر وعمر، وخليلته الفاجرة في دور عائشة وخديجة، إن هذا لشيء عجاب!!

نحن لا نلوم هؤلاء، فقد غسلنا أيدينا منهم، لكننا نلوم العقلاء المؤمنين، الذين تستخفهم هذه التوافه فيتابعونها دون نكير، فمن يصفدُ عنا مردةَ شياطينِ الإنس، الذين لا يرونَ لرمضان حرمةً، ولا يرقبون في مسلم إلاًّ ولا ذمة، فيهيئون أسبابِ الرذيلة، بكلِّ خسةٍ ووقاحة !! فبمناسبةِ رمضان،يحي الفنانُ فلان حفلةً غنائية، وتقيمُ فرقةُ فلان مسرحيتهَا الماجنة، ألا شاهتْ تلك الوجوه،ما أجرأَها على انتهاكِ حرماتِ الله !

كيف يكون حال أحدهم لو أن الله بدل أن يجعله مسلمًا موحدًا، جعله بوذيًا يسجد لحجر، أو جعله من عباد البقر، أو ممن يقولون: الله ثالث ثلاثة، أو يقولون: عزير ابن الله،إن الإسلام الذي هدوا إليه هو خير مما يجمعون، فطوبى لصائم استشعر هذه النعمة، فحقق التقوى، فصام الشهر، واستكمل الأجر، أخذ رمضان كاملًا، وسلمه للملائكة كاملًا ، فلا غيبة، ولا نميمة، ولا أذية للمؤمنين، ولا تقاعس عن صلوات، أو وقوعًا في محرمات، صام فصامت جوارحه وأركانه، قانتًا آناء الليل، طوبى لمن كانوا كذلك، من عُبّاد رب الشهور كلها، بواطنهم كظواهرهم، شوالهم كرمضانهم، الناس في غفلاتهم، وهم في بكائهم، ربانيون لا رمضانيون.

هؤلاء هم الذين يتحقق فيهم قوله صلى الله عليه وسلم: [ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ] رواه البخاري ومسلم .

وقال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ] رواه البخاري ومسلم .

ولا شك أن هذا الثواب الجزيل، لا يكون لمن امتنع عن الطعام والشراب فقط، وإنما لا بد أن يتأدب بآداب الصوم،

فالصائم المتقي، يحفظ اللسان، كما قال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ] رواه البخاري . وقد كان السلف يحذرون من فلتات اللسان، في غير صومهم فكيف بهم إذا صاموا،؟!

كان أبو هريرة رضي الله عنه وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد، وقالوا:' نحفظ صيامنا' . وهذا هو حال العاقل، فلماذا يغتاب الناس فيعطي حسناته لغيره، بل كان بعضهم يحاسب نفسه على الكلام المباح فضلًا عن غيره .

ومن أفضل الأعمال، في هذا الشهر الكريم: قيام الليل، في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: [مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ] رواه البخاري ومسلم . ومدح الله المؤمنين فقال: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [63] } [سورة الفرقان] .وقد كان قيام الليل دأب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانوا يستشعرون عظمة ربهم إذا وقفوا بين يديه . وكانوا يجدون في الصلاة خشوعًا، وفي السجود خضوعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت