فهرس الكتاب

الصفحة 16053 من 27345

ولم يكن العبّاد من الرجال فقط ففي النساء نصيب، فمعاذة العدوية كانت تصلي أكثر الليل، وتقول:'عجبت لعين تنام وقد عرفت طول الرقاد في ظلم القبور، وتبكي' . وكانت حفصة بنت سيرين تسرج سراجها من الليل ثم تقوم في مصلاها، وكانت تقرب كفنها، لتذكر الموت في صلاتها، فتخشع .

كانوا يركعون ويسجدون، ويصلون ويقومون، حتى صار ذلك لهم عادة، وكانوا في رمضان أشدَّ منهم اجتهادًا، فكان الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه يصلون ثلاثًا وعشرين ركعة، ويختمون القرآن مرارًا في رمضان، وفي 'الموطأ' عن ابن هرمز قال:' مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ قَالَ وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ' .

وعن خالد بن دريك قال:' كان لنا إمام بالبصرة يختم بنا في شهر رمضان في كل ثلاث، فمرض فأمنا غيرُه، فختم بنا في كل أربع، فرأينا أنه قد خفف' . وقال السائب بن زيد:' كَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ' فقارن حالهم بحالنا اليوم‍ ‍‍!

ومن فضل الله تعالى، أن من صلى التراويح كاملة مع الإمام، فكأنما قام الليلة كاملة، كما قال صلى الله عليه وسلم: [ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ] رواه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وأحمد .

شهر رمضان هو شهر القرآن، وكان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، وكان عثمان رضي الله عنه يختم القرآن كل يوم مرة، وكان الزهري إذا دخل رمضان، يفر من الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة القرآن من المصحف، وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن، وكان قتادة في غير رمضان، يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة، وكان إبراهيم النخعي يختم في العشر الأواخر كل ليلة، وفي بقية الشهر في ثلاث.

وفي رمضان يجتمع الصوم والقرآن،فتدرك المؤمن الصادق شفاعتان يشفع له القرآن لقيامه، ويشفع له الصيام لصيامه، كما صح في المسند أنه صلى الله عليه وسلم قال: [الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ قَالَ فَيُشَفَّعَانِ] .

ومن أفضل العبادات في هذا الشهر الكريم: الدعاء، ويستحب في كل وقت، وله أوقات يتأكد فيها: فعند الإفطار، للصائم دعوة لا ترد، وفي ثلث الليل الآخر . ويستحب للداعي أن يتحرى أوقات الإجابة، كما بين الأذان والإقامة، وساعةِ يومِ الجمعة، ودبرِ الصلواتِ المكتوبةِ،وغيرِها. والمرأة فيما ذكرنا شقيقة الرجل، في الحرص على الطاعات، واغتنام الأوقات،

ومن أفضل الأعمال في هذا الشهر الكريم: الجود والإحسان، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان أجود بالخير من الريح المرسلة، فكم من حسنة إلى منكوب، وصدقة على مكروب، غفر الله بها الذنوب، وستر بها العيوب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصدقة تطفئ غضب الرب، ذكر في 'تاريخ بغداد' أن فقيرًا جاء إلى عبد الله بن المبارك، فسأله أن يقضى عنه دينًا عليه، فناوله عبد الله كتابًا، إلى وكيل ماله،

فذهب به الفقير، فلما قرأه الوكيل، قال للفقير: كم الدين الذي سألت فيه عبد الله أن يقضيه عنك؟ قال: سبعمائة درهم، فكتب الوكيل إلى عبد الله، أن الرجل سألك أن تقضي عنه سبعمائة درهم، وكتبت له سبعة آلاف، وسوف تفنى الأموال أو فنيت، فكتب إليه عبد الله: إن كانت الأموال قد فنيت، فإن العمر أيضًا قد فني، فأجز له ما سبق به قلمي .

والصدقة في رمضان لها صور متعددة: فمنها:

إطعام الطعام: قال تعالى: { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [8] إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [9] إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا [10] فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [11] وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا [12] } [سورة الإنسان] . و قال صلى الله عليه وسلم: [ أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ] رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت