حاصر العدو المدينة ، وصمد المسلمون فيها ، وكان بعض المقاتلين منهم يخرجون من آن لآخر ويشتبكون معه في معارك شديدة ثم يرتدون إلى الداخل كرة أخرى . إلا أن استمرار الحصار أربعين يومًا أحدث في المدينة ضيقًا شديدًا ، وقلت الأقوات فيها ، ثم حدث من جراء ذلك تنازع وخلاف بين أهلها ، فعلم النصارى بما جرى فشددوا قبضتهم ، وضاعفوا عدوانهم عليها حتى تمكنوا بعد قتال عنيف من اقتحام الأسوار الخارجية للمدينة ، وقد دافع المسلمون عن أنفسهم أشد دفاع ، وقتلوا من المهاجمين نحو خمسمائة ، ثم انحازوا إلى المدينة الداخلية للتحصن بها ، والدفاع عن أنفسهم ، وبينما كانوا معتصمين فيها وقد عقدوا العزم على المقاومة لآخر رمق إذ قدّم أحد الخونة المنافقين للأعداء معلومة في غاية الأهمية تتعلق بأحد أسرار المدينة الذي بمعرفته يستطيعون إنهاء المقاومة الإسلامية فيها بأقصر زمن ، حيث دلهم على مجرى ( سرب ) الماء الأرضي الذي يمدها بالماء ، فقاموا على الفور بهدمه ، فانقطع الماء عن المحصورين . وهذا المنافق الذي قدم تلك المعلومة للعدو يكثر وجوده حين تحل بالأمة الإسلامية أزمات ، أو تصاب بمحن ، فمثل هذا الصنف مذبذب في ولائه دائمًا بين المسلمين وعدوهم ، فإن كانت الدائرة للمسلمين كان في صفهم ، وادعى أنه مخلص لقضيتهم ، وإن رأى الأعداء في سبيلهم إلى النصر والغلبة انحاز في ولائه وهواه إليهم لما يمني نفسه من السلامة من القتل ، والمكافأة على ما بذله من خدمة لهم .
على أي حال اشتد الظمأ بالمسلمين المحاصرين ، وبدا شبح الموت قريبًا منهم ، فبعثوا إلى قائد الجحافل الصليبية جيوم دي مونري يطلبون منه الأمان على أنفسهم وأولادهم مقابل تسليم المدينة وترك ما بها من أموال وأمتعة ، فرفض طلبهم ، وتابع هؤلاء المعتدون الحصار حتى تمكنوا من اقتحام المدينة عنوة بعد مواجهات عنيفة مع المسلمين ، فدخلوها دخول الوحوش المفترسة ، فاستباحوا المدينة بمن فيها وبما فيها ، وقتلوا وسبوا الألوف من أهلها . ثم أعلن القائد الصليبي الأمان ، ولما رأى كثرة الجموع الخارجة من المدينة في ظل الأمان الذي قطعه لهم هاله ذلك فأمر بالتخفيف منهم ، فأطيح أرضًا بستة آلاف منهم . وقد مات كثير من الشيوخ والنساء والأطفال بسبب العطش ثم الزحام عند الخروج من المدينة ، كما امتنع نحو سبعمائة في قصبة المدينة ( قلعتها ) فمات معظمهم عطشًا .
أن اقتحام مدينة بربشتر وذبح أهلها بهذه الكيفية يقدم صورة جلية لما تعتمل به قلوب النصارى المتعصبين من تعطش لدماء المسلمين ، فهم لم يقبلوا منهم تسليم المدينة وكل ما يملكون من أموال ومتاع حين عرضوا عليهم ذلك مقابل خروجهم فقط بأنفسهم وأولادهم بل أصروا أن يعملوا السيف في رقابهم حتى بعد إعطائهم الأمان ، فدماء المسلمين عندهم أرخص الدماء . وهم كإخوانهم من الكفار إذا ظهروا على المسلمين لا يرقبون فيهم إلًا ولا ذمة . ومثل هذه الصورة نراها تكرر عبر التاريخ في حقل الصراع بين المسلمين والنصارى حتى عصرنا الشاهد ، وليس ببعيد عنا ما قام ويقوم به النصارى وإخوانهم اليهود في البوسنة والهرسك وكوسوفا وفلسطين والشيشان وغيرها من بلاد المسلمين الممتحنة .
على أن هؤلاء الصليبيين الذين اقتحموا مدينة بربشتر لم يكتفوا بالقتل والسلب والأسر والتعذيب فحسب بل ارتكبوا في حق أهلها المسلمين عملًا شنيعًا لا يقدم عليها إلا أخس الجنود وأنذلهم ، حين قاموا بهتك الأعراض بطرق فضيعة ومؤذية . وندع المؤرخ ابن حيان الأندلسي ( ت 469 هـ ) الذي عاصر الحدث وعايشه ـ يصف طرفًا مما جرى لأهل بربشتر المسلمين ، حيث يقول (( ولما برز من بقي من أهل المدينة عنها إلى فناء بابها بعد من خفف منهم بالقتل ، وهلك بالزحمة ، ظلوا قيامًا ذاهلين منتظرين لنزول القضاء بهم ، نودي فيهم بأن يرجع كل ذي دار إلى داره ووطنه بأهله وولده ، وأزعجوا لذلك ، فنالهم من الازدحام قريبًا مما نالهم في خروجهم عنها ، فلما استقروا فيها مع عيالهم وذرياتهم اقتسمهم المشركون بأمر سلطانهم قسمة قرروها بينهم ، فكل من صارت في حصته دار حازها ، وحاز ما فيها من أهل وولد ومال ، يحكم كل علج منهم في من سُلط عليه من أرباب الدور بحسب ما يبتليه الله به منهم ، يأخذ كل ما أظهره عليه من نشب ، ويقرره على ما أخفاه عنه ، يعذبه أنواعًا من العذاب حتى يبلغ نفسه عذرها منه ، فربما زهقت نفس المسلم دون ذلك فاستراح ، وربما أنظره أجله إلى أسوأ من ذلك ، فإن عداة الله كانوا يومئذ يتولعون بهتك حُرم أَسْراهم وبناتهم بحضرتهم وعلى أعينهم إبلاغًا في تعذيب قلوبهم ، يغشون الثيب ، ويفتضون البكر ، وزوج تلك وأبو هذه موثق بقيد إساره ، ناظر إلى سُخنة عينه ، فعينه تدمع ، ونفسه تقطع 000 فبلغ الكفرة فيهم يومئذ ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة ) ) (1) .