فهرس الكتاب

الصفحة 17447 من 27345

ولنا أن نتساءل عن موقف الأمة خاصة في بلاد الأندلس مما حصل لأهل هذه المدينة الأندلسية البائسة . لعل أصدق من يعبر عن ذلك ابن حيان الآنف الذكر الذي عايش الحدث ، وتجرع آلامه ، وعاش في غضون تلك الأيام ، فخبر واقعها ، ودقق في أحداثها ، واطلع على حال أهلها من حكام ومحكومين ، يقول ابن حيان واصفًا حال الأمة تلك الأيام الذي وقع فيها ذلك الحدث (( فمثل دهرنا هذا: فرس بهيم الشية ، ما أن يباهى بقرحة فضلًا عن شدوخ غُرة ، قد غربل أهليه أشد غربلة ، فسفسف أخلاقهم ، واجتث أعراقهم ، وسفه أحلامهم ، وخبّث ضمائرهم ، فاحتوى عليهم الجهل ، واقتطعهم الزَّيف ، وأركستهم الذنوب ، ووصمتهم العيوب ، فليسوا في سبيل الرشد بأتقياء ، ولا على معاني الغي بأقوياء ، شاءُُ من الناس هامل ، يعللون أنفسهم بالباطل . من أدل الدلائل على جهلهم بشانهم اغترارهم بزمانهم ، وبعادهم عن طاعة خالقهم ، ورفضهم وصية رسوله نبيهم عليه السلام ، وذهولهم عن النظر في عاقبة أمرهم ، وغفلتهم عن سد ثغرهم ) ). ثم يوضح أثر هذا الواقع الذي كانت الأمة الأندلسية تعيشه في ضعفها أمام أعدائها النصارى بقوله (( حتى لظل عدوهم الساعي لإطفاء نورهم يتبجح عراص ديارهم ، ويستقرىء بسائط بقاعهم ، يقطع كل يوم طرفًا منهم ، ويبيد أمة ) ). وأخيرًا يرسم بقلمه البليغ رد الفعل المباشر لمن بأيديهم السلطة والتأثير في الأندلس ـ وقتذاك ـ على أحداث الاعتداء النصراني الصليبي على أهل مدينة بربشتر فيقول (( ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكرهم ، لهاة عن بثهم . ما إن يُسمع عندنا بمسجد من مساجدنا ، أو محفل من محافلنا مذكر بهم ، أو داع لهم فضلًا عن نافر إليهم ، أو مواس لهم ، حتى كأنهم ليسوا منا ، أو كأن فتقهم ليس بمفض إلينا ، وقد بخلنا عليهم بالدعاء بخلنا عليهم بالغَناء ، عجائب مغربة ، فاتت التقدير ، وعرضت للتغيير ، فلله عاقبة الأمور ، وإليه المصير ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت