فهرس الكتاب

الصفحة 17448 من 27345

على أن الأمة الإسلامية في كل زمان ومكان مهما بلغ بها الضعف والهوان فإن روح الجهاد والفداء ، ومعاني الخير والصلاح باقية فيها ، ما أن تهزها الأحداث والدواهي حتى تسري في كيانها تلك الروح والمعاني وإن اختلفت درجة الاستجابة من بلد إلى بلد ، ومن قوم إلى آخرين . وفي مأساة بربشتر السالفة الذكر لما حدث لها ما حدث هب رجال من طلبة العلم والعلماء في الأندلس ينكرون على الناس وحكامهم تبلد إحساسهم تجاه محنة إخوانهم في تلك المدينة البائسة ، ويقرعونهم على موقفهم المتخاذل أمام النصارى الصليبيين ، ويطالبونهم بالقيام بمسؤوليتهم في إزالة ذلك العدوان الغاشم كل بحسب موقعه وطاقته . فبجانب ما سقناه آنفًا من كلام ابن حيان السابق الذكر الذي كان يتضمن في وقته إنكارًا للتخاذل الإسلامي ، واستنهاضًا للهمم ـ فقد كتب أبو محمد عبد الله بن عبد البر ( ت 458 هـ ) [ وهو ولد أبي عمر بن عبد البر: المحدث والفقيه الأندلسي المشهور المتوفى 463 هـ ] رسالة إلى الأمة جعلها على ألسنة أهل بربشتر يصفون ما جرى لهم من محنة وكرب وشدة ووحشية على أيدي المهاجمين الصليبيين ، ثم ضمنها تحذيرًا للمسلمين في الأندلس حكامًا ومحكومين أن يكون الدور عليهم بعد ذلك إن لم يقوموا بواجبهم من النجدة والنصرة ، فمما قاله على لسان البربشتريين بعد شرحه للمعاناة التي عاشوها ، (( فلو شهدتم ـ معشر المسلمين ـ ذلك لطارت أكبادكم جزعًا ، وتقطعت قلوبكم قطعًا ، واستعذبتم طعم المنايا لموضع تلك الرزايا ، ولهجرتْ أسيافكم أغمادها ، وجفت أجفانكم رقادها ، امتعاضًا لعبدة الرحمن ، وحفظة القرآن ، وضعفة النساء والولدان ، وانتقامًا من عبدة الطغيان ، وحملة الصلبان 000 وقد ندب الله مسلمي عباده إلى الجهاد في غير ما آية من الكتاب 000 والرواية عنه عليه السلام في فضل الجهاد 000 أشهر من أن تذكر 000 فالله الله في إجابة داعينا ، وتلبية منادينا ، قبل أن تُصدع صفاتنا كصدع الزجاج ، فهناك لا ينفع العلاج ) ). وبعد التأكيد على أن سبب ضعف المسلمين أمام العدو هو اقتراف الذنوب والبعد عن دين الله يعود إلى القول (( فالحذر الحذر ! فإنه رأس النظر من بركان تطاير منه شرر ملهب ، وطوفان تساقط من قَطر مرهب ، قلما يؤمن من هذا إحراق ، ومن ذلك إغراق ، فتنبهوا قبل أن تُنبهوا ، وقاتلوا في أطرافهم قبل أن يقاتلوكم في أكنافكم ، وجاهدوهم في ثغورهم قبل أن يجاهدوكم في دوركم ، ففينا متعظ لمن اتعظ ، وعبرة لمن اعتبر ، فانظروا إلى ثغورنا كيف تهتضم ، وإلى أطرافنا كيف تخترم 000 ودماؤنا مطلولة ، وحدودنا مفلولة ، وأنتم عنا لاهون ، في غمرة ساهون ، وكأنا لسنا منكم ، ولا نحن سداد دونكم مضروبة ، وجُنن نحوكم منصوبة 000 وأنه إن استلبت الأطراف لم تتعذر الأنصاف ، والبعض للبعض سبب ، والرأس من الذنب ، غير أنا دنونا وبعدتم ، وشقينا وسعدتم ، ورأينا وسمعتم ، وليس الخبر كالعيان ، ولا الظن كالعرفان ، ولقد آن أن يبصر الأعمى ، وينشط الكسلان ، ويستيقظ النومان ، ويشجع الجبان ) ).

وهناك من المفكرين الأندلسيين من وجه اللوم إلى حكام بأعيانهم على تقصيرهم في حق المسلمين المضطهدين في مدينة بربشتر المنكوبة ، لكونهم أقوى حكام ذلك الزمان في بلدهم ، ومن هؤلاء أبو حفص عمر بن الحسن الهوزني ( ت 460 هـ ) الذي كتب رسالة خاصة إلى المعتضد عباد بن محمد بن عباد الذي كان يحكم غربي الأندلس ، وكان من أكابر حكام الطوائف ، فمما جاء في رسالته تلك قوله عن وقع الحادثة البربشترية في النفوس (( كأن الجميع في رقدة أهل الكهف ، أو على وعد صادق من الصرف والكشف ، وأنى لمثلها بالدفاع عن الحريم ) ). وبعد أن يشير إلى عجز المسلمين وخورهم ، وقعودهم عن الجهاد ، يصف طريقة مسلمي الأندلس في تعاملهم مع مخططات العدو التي راح ينفذها في بلادهم ، فيقول (( إن حاربوا موضعًا أرسلناه ، أو انتسفوا قطرًا سوغناه ، وإن هذا الأمر له ما بعده ) ). ثم إنه نبه المعتضد إلى حقيقة بينة لمن نظر وتدبر في شأن الأندلس فقال في شعر:

أعباد ضاق الذرع واتسع الخَرق ولا غرب للدنيا إذا لم يكن شرق

فهو يلفت الأنظار إلى أن احتلال العدو أرض المسلمين في شرقي البلاد ، إنما هو في حقيقة الأمر فقدان لغربي البلاد أيضًا التي يحكمها المعتضد ، لأن بلاد المسلمين واحدة ،ولأن العدو لن يهدأ له بال ، أو يقر له قرار حتى يلحق غربي البلاد بشرقيها .

ولقد أثمرت الدعوة إلى الجهاد بعد تسعة أشهر من العدوان الصليبي على المسلمين في بربشتر ، فتداعى لها كثيرون ، حيث قدرت بعض المصادر أعدادهم بنحو ستة آلاف مجاهد ، وقد تقدمهم المقتدر بن هود الذي كان من قبل قد تخاذل عن نجدة بربشتر والدفاع عنها ، كما شاركهم المعتضد بن عباد أيضًا الذي يعد من كبار ملوك دويلات الطوائف ، وقد تمخضت هذه الحملة الجهادية عن هزيمة لبقايا النصارى المعتدين ، ومحو أثرهم من مدينة بربشتر .

أهم المصادر والمراجع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت