فهرس الكتاب

الصفحة 8422 من 27345

يقول ابن تيمية في هذا الباب: ( لفظ الفقر والتصوف قد أدخل فيه أمور يحبها الله ورسوله فتلك يؤمر بها ، وإن سميت فقرًا وتصوفًا ؛ لأن الكتاب والسنة إذا دل على استحبابها لم يخرج ذلك بأن تُسمى باسم آخر . كما يدخل في ذلك أعمال القلوب كالتوبة والصبر والشكر والرضا والخوف والرجاء والمحبة والأخلاق المحمودة . وقد أدخل فيها أمور يكرهها الله ورسوله ، كما يُدخل فيه بعضهم الحلول والاتحاد ، وآخرون نوعا من الرهبانية المبتدعة في الإسلام ، وآخرون نوعا من مخالفات الشريعة ، إلى أمور ابتدعوها ، إلى أشياء أخرى ، فهذه أمور ينهى عنها بأي اسم سميت ...) "4".

فالعبرة بالمسمى لا بالمسميات ، نحكم على ماهية الشيء بأي اسم كان ، ولا نقف على ظاهر الأمر ، وسطحية التعامل مع المسميات ، فإن هذا خلل في الفهم والممارسة الفكرية والعملية ، وسنجد أنفسنا متناقضين حين ينشئ أحدهم ـ مثلًا ـ حزب الصحابة الكرام ـ ونفرح بهذه التسمية ونحبها ، ونغفل عن انحرافات كثيرة في فكر هذا الحزب أو الجماعة ! ، فهل يستقيم الأمر؟ كلا ، نقبل الحسن الصحيح من أي كان ، ونرفض القبيح المرفوض من أي كان ، والميزان هو كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام .

والذي يهمنا كطلبة علم وطالبي الفهم الصحيح ، ليس الأسماء ، بقدر ما يهمنا المضمون ، وفقا للقاعدة المعروفة ( العبرة بالمسميات لا بالأسماء ) أو ( العبرة بالمسميات والمضامين ، لا بالأسماء والعناوين ) ، فما هي حقيقة الصوفية في أصلها الذي بدأت منه ؟

· إن معرفة تاريخ وظروف ظهور التصوف أو الصوفية أمر مهم في معرفة حقيقة ماهية التصوف ، فقد ظهرت عندما طغت المادية ، وغلّب الجانب العقلي ؛ الجانب الماديّ ، نتج عن الترف الذي أغرق بعض الطبقات ، بعد اتساع الفتوحات ، وكثرة الأموال ، وازدهار الحياة الاقتصادية ، مما أورث غُلوًّا في الجانب المادي ، مصحوبًا بغلوّ آخر في الجانب العقلي ، أصبح الإيمان عبارة عن"فلسفة"و"علم كلام""وجدل"، لا يشبع للإنسان نهمًا روحيًا ، حتى الفقه أصبح إنما يعنى بظاهر الدين لا بباطنه ، وبأعمال الجوارح لا بأعمال القلوب وبمادة العبادات لا بروحها .

ومن هنا ظهر هؤلاء الصوفية ليسدُّوا ذلك الفراغ ، الذي لم يستطع أن يشغله المتكلمون ولا أن يملأه الفقهاء ، وصار لدى كثير من الناس جوع روحيّ، فلم يشبع هذا الجوع إلا الصوفية الذين عنوا بتطهير الباطن قبل الظاهر ، وبعلاج أمراض النفوس ، وإعطاء الأولوية لأعمال القلوب ، وشغلوا أنفسهم بالتربية الروحية والأخلاقية ، وصرفوا إليها جُلَّ تفكيرهم واهتمامهم ونشاطهم . قال ابن خلدون في مقدمته:"وهذا العلم ـ يعني التصوف ـ من العلوم الشرعية الحادثة في الملَّة ؛ وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة ، والانقطاع إلى الله تعالى ، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها ، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق، والخلوة للعبادة ، وكان ذلك عامًّا في الصحابة والسلف ؛ فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده ، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية""5".

فلم يظهر هذا المصطلح في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا صحابته الأبرار ، إنما ظهر في أواخر عهد التابعين ، والسبب في ذلك أنه لم يكن هناك حاجة لظهور من يدعو إلى تلك المعاني التي حمل لواءها الصوفية فيما بعد ؛ لأن أهل هذا العصر ـ عصر الصحابة ـ كانوا أهل تقوى وورع ، وأرباب مجاهدة وإقبال على العبادة بطبيعة حالهم ، وبحكم قرب اتصالهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كانوا يتسابقون ويتبارون في الاقتداء به في أحواله كلها ؛ ولم يكن ثمة ما يدعو تلقينهم علمًا يرشدهم في أمرٍ هم قائمون به فعلا ، ومثلهم في ذلك مثل العربي القُح ؛ فإنه لا يحتاج إلى دراسة علوم النحو والبلاغة وغيرها من العلوم اللغوية ، وإنما يحتاجها من فشا اللحن في لسانه وضعف ذوقه في التعبير .

والمتتبع لمنشأ العلوم الإسلامية عامة يجد كل علم قد أحاطت به ظروف ، دفعت الغيورين عليه لتأصيله وتدوينه ووضع الضوابط التي تضمن عدم انحرافه ، وبقاءه في الأمة ، ليحفظ من الضياع والاختلاط ، وكل علم يصلح أن يكون مثالًا واضحًا لهذا الزعم الذي أقوله ، وهو أمر مسلم به عند أهل العلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت