فهرس الكتاب

الصفحة 8423 من 27345

لذلك تم تأصيل علم التصوف وأطلق عليه هذا الاسم الذي لم يكون موجودا من قبل ، ولكن عندما اتسعت رقعة الإسلام ، ودخل في الإسلام أمم شتى كانت تعيش في الباطل ، واختلطت تلك الأمم بالمسلمين ، تأثر المسلمون بذلك وضعف عندهم هذا الجانب ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى تأثر المسلمون بما جلبت لهم تلك الفتوحات الإسلامية من غنائم وخيرات ، زُينت لهم الحياة الدنيا ، فضعف الجانب الإيماني ، وضعفت المعالجات القلبية لدى الناس ، وأصبحت هذه المسائل سلعة غير رائجة ، بل وبضاعة مزجاة عند كثير من المسلمين وقتها ، والتي كانت عند أسلافهم تمثل رأس مالهم ، وذروة عيشهم ... عند ذلك كله انبرى من ينادي بتلك المعاني من جديد ؛ تذكيرًا للناس ، وتعليمًا للجاهل منهم ، وتحذيرًا من زخرف الحياة الدنيا ، ضاربين من أنفسهم الأمثلة العملية في ذلك ، وقدوة حسنة للتحقق بتلك المعاني الربانية .

· فهي منهج ومسلك تربوي يركز على أعمال القلوب والعبادات والقربات إلى الله تعالى عز وجل ، لينجو المسلم من كل الآفات قدر الإمكان ؛ فطهارة النفس ، ونقاء القلب ، والمواظبة على العمل ، والالتزام والإلزام به ، والإعراض عن الخلق بقلة الخلطة ، وكثرة الصمت وضبط اللسان وعفته ، والإكثار من الذكر وقراءة القرآن وأنواع العلوم ، والحب في الله ، والارتباط على الخير ، وأخذ العهود في ذلك ... الخ ، ليحصل المسلم ويصل إلى مقام الإحسان ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) "6"هذه هي المعاني التي يركز عليها التصوف النقي كمسلك تربوي . ومما لا شك فيه ـ عند المنصفين ـ أن الصوفية قد بلغوا مرتبة عالية في علاج النفوس ودوائها ، وطبها والرقي بها ، بلغوا مبلغًا لم يصله غيرهم من المربين ، ومن طالع كلام أعلامهم المشهود لهم من أهل العلم بالتوثيق والعدالة ، وأذاق نفسه مجانبة الهوى ، وتجرد وأقبل على كلامهم بمكيال الكتاب والسنة ، وجد دقة كلامهم على النفس وغوائرها ، وانشرح صدره وإيمانه لقبول أقوالهم وطريقتهم في التربية . على أننا لا ننكر وجود من خلّط وانحرف وبالغ للحد الذي يجعله يقع في بدع كبار ، إن لم نقل كفرا صريحا ، لكنني أهمل هؤلاء المنحرفين ، لوضوح شذوذهم ، ولأن الجانب المظلم في الصوفية بات مضيئًا في عقول الكثيرين من طلاب العلم اليوم وشباب الصحوة الإسلامية ، بالرغم من أن أحادية النظرة خلل في التفكير ، وهذه الأحادية آفة واضحة اليوم في الكثير من الشباب المتحمس المنتسب للسلف ، بل ولدى بعض الدعاة أيضا ! .

لنأخذ جولة في كلام أهل التصوف الطاهر أول الأمر ، ومن قادة هذا الفن:

· قال الإمام الجنيد"7": ( التصوف استعمال كل خُلق سني ، وترك كل خلق دني ) "8".

· وقال: ( طريقنا هذا ـ أي التصوف ـ مضبوط بالكتاب والسنة ) "9"

· قال أحمد زروق"10"رحمه الله ( التصوف علم قصد لإصلاح القلوب ، وإفرادها لله تعالى عما سواه. والفقه لإصلاح العمل ، وحفظ النظام ، وظهور الحكمة بالأحكام . والأصول"علم التوحيد"لتحقيق المقدمات بالبراهين ، وتحلية الإيمان بالإيقان ، كالطب لحفظ الأبدان ، وكالنحو لإصلاح اللسان إلى غير ذلك ) ."11"

· وقال: ( وقد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو ألفي مرجع.. كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى ، وإنما هي وجوه فيه ) "12".

· وقال الإمام السهروردي: ( الصوفي: هو الذي يكون دائم التصفية ولا يزال يصفي الأوقات من شوائب الأكدار بتصفية القلب عن شوائب النفس ، ويعينه على كل هذه التصفية دوام افتقاره إلى مولاه ، فبدوام الافتقار يُنَقَى من الكدر ، وكلما تحركت النفس وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفر منها لربه ... وهذه القوامية لله على النفس هي التحقق بالتصوف ) "13".

· قال أبو الحسن الشاذلي: ( التصوف: تدريب النفس على العبودية ، وردها لأحكام الربوبية ) "14".

· قال سهل بن عبد الله التستري: ( الصوفي من صفا من الكدر ، وامتلأ من الفكر ، وانقطع إلى الله من البشر ، واستوى عنده الذهب والمدر ) "15".

من هذه الأقوال يتضح لنا أن التصوف في أصله صحيح مقبول موافق للكتاب والسنة ، ولذلك قال ابن تيمية:( وَأَمَّا أَئِمَّةُ الصُّوفِيَّةِ وَالْمَشَايِخُ الْمَشْهُورُونَ مِنْ الْقُدَمَاءِ:

مِثْلُ الجنيد بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَتْبَاعِهِ وَمِثْلُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ وَأَمْثَالِهِ فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ لُزُومًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَتَوْصِيَةً باتباع ذَلِكَ )"16"

و من خلال ما ذكر آنفا نخلص إلى عدة نقاط:

· العبرة بالمسميات لا بالأسماء .

· يجب أن نزن الأمور بالعدل والإنصاف .

· لا نغفل عن الوقت التاريخي لظهور التصوف والظروف المحيطة بذلك .

· حقيقة التصوف مسلك تربوي عبادي يعنى بتربية النفس .

· لا نبخسهم دورهم وحقهم وعلمهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت