فهرس الكتاب

الصفحة 25033 من 27345

وهكذا سخر الله تعالى لهذه الفئة المؤمنة قلب النجاشي , فنطق بالاعتراف بموافقة ماجاء في القرآن في شأن عيسى عليه السلام كما جاء في الإنجيل الصحيح , وهذا أمر يصعب الاعتراف به لأن من لهم الهيمنة من النصارى لايعتقدون بذلك , وقد جر عليه هذا الاعتراف متاعب من قومه, وهو يعلم قبل النطق بذلك صعوبة هذا الأمر , ولكن الله تعالى أنطقه بذلك نصرا لهذه الفئة المؤمنة, وإعزازًا للإسلام , وخذلانا للشرك وأهله , فقد عاد وفد قريش بأسوأ حال وهما يجران أذيال الخيبة , ويحملان معهما الهدايا التي رفض النجاشي قبولها , وعاد المؤمنون المهاجرون بالعز والمنعة والأمن والطمأنينة .

وجدير بالذكر أن ننبه إلى أن عمرو بن العاص قد أسلم بعد ذلك , وأصبح من زعماء المسلمين الذين فتح الله بهم البلاد وهدى بهم العباد رضي الله عنه وأرضاه .

هذا وإن هذا الموقف يعدُّ مثالًا تطبيقيًّا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم"من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مُؤْنة الناس , ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس"أخرجه الإمام الترمذي وسكت عنه وحسنه السيوطي وصححه الألباني ( [6] ) .

فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم قد التمسوا رضا الله عز وجل , مع أن الظاهر في الأمر أنه يترتب عليه في هذه القضية سخط أولئك النصارى , وهم الذين لهم الهيمنة عليهم , فكانت النتيجة أن الله عز وجل سخَّر لهم قلب ملك الحبشة حتى نطق بالحق الموافق لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم مع مخالفته الصريحة لمعتقدهم المنحرف الذي قام عليه مُلكُهم , ومايغلب على الظن من ثورة النصارى المتعصبين عليه .

فأي قوة هذه التي حملت ملك الحبشة على مخالفة المذهب السائد في بلده والذي يترتب على التمسك به بقاؤه في الملك , مع إظهار موافقة قوم لاشأن لهم في بلده ولاقوة .. أي قوة هذه إن لم تكن تسخير الله تعالى إياه لنصرة قضية هؤلاء المسلمين ؟

وهذا دليل على أنه كان عند بعض النصارى إيمان صحيح بدينهم , ولكنهم يكتمون ذلك لكون الغلبة والسيادة في الأرض لأصحاب الدين المحرف , ومن الذين كانوا على الاعتقاد الصحيح ملك الحبشة , وكان يُخفى إيمانه هذا مداراة لقومه إبقاء على نفسه وملكه , فلما وقع في هذا الابتلاء أظهر إيمانه , حيث أصبح بين أمرين: الأمر الأول أن يداري قومه وينكر على هؤلاء الصحابة اعتقادهم في عيسى بن مريم عليه السلام , وهذا يلزم عليه جحد الحق , وكيف يجحد الحق وهو أعلى رجل في الدولة ؟ كما يلزم عليه أن يبعد المسلمين من بلاده لكونهم طعنوا في معتقد النصارى السائد , ولو لم يفعل ذلك فإن رجال دولته لن يقروا بقاء المسلمين وقد قالوا ماقالوا .

والأمر الثاني: أن يظهر اعتقاده الصحيح الموافق لاعتقاد المسلمين إرضاء لربه وإراحة لضميره وانتصارًا لحزب الله المؤمنين مهما ترتب على ذلك من نتائج , وهذا الأمر هو الذي سلكه من غير تردد , وتحدى به علماء دينه , ورجال دولته , فكان بهذا الموقف الكبير من عظماء التاريخ , ولقد حدث ماكان متوقعًا من قيام الثورة ضد ذلك الملك الصالح عقب تلك المفاوضات المذكورة .

"قالت - أم سلمة -: فو الله إنا لعلى ذلك إذ نزل به - يعني النجاشي - رجل من الحبشة ينازعه في ملكه , قالت: فو الله ماعلمتُنا حَزنَّا حزنا قط كان أشد علينا من حزن حزنَّاه عند ذلك , تخوفًا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي , فيأتي رجل لايعرف من حقنا ماكان النجاشي يعرف منه ."

قالت: وسار إليه النجاشي وبينهما عرض النيل , قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا بالخبر ؟

فقال الزبير بن العوام: أنا , قالوا: فأنت , وكان من أحدث القوم سنَّا .

قالت: فنفخوا له قربة فجعلها في صدره , ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم , ثم انطلق حتى حضرهم , قالت: فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه, والتمكين له في بلاده , قالت: فو الله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن , إذ طلع علينا الزبير وهو يسعى , فلمع بثوبه وهو يقول: ألا أبشروا فقد ظفر النجاشي وأهلك الله عدوه , ومكن له في بلاده , قالت: فو الله ماعلمتُنا فرحْنا فرحة قط بمثلها .

قالت: ورجع النجاشي , وقد أهلك الله عدوه , ومكن له في بلاده , واستوسق عليه أمر الحبشة ( [7] ) , فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ( [8] ) .

وقول أم سلمة رضي الله عنها:"حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة"تريد من قدم منهم إلى مكة وكانت معهم , أما بقيتهم فقد قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة عام خيبر وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين , ويبين ذلك ماجاء في رواية البيهقي لهذا الخبر حيث جاء في آخره:"ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا راجعا إلى مكة وأقام من أقام" ( [9] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت