وهذا التوجه السلطوي لا يتعامل بمنطق الصالح والأصلح والنافع والأنفع، وإنما بمنطق التهريج والتدجيل والتزمير والتطبيل ، الذي لا يجيده إلا فئة طفيلية درجت على الفساد وإهدار الكرامة وامتصاص الدماء، ولا يتعامل بمنطق الحجة والبينة وإنما بمنطق البندقية والمدفع ، ولهذا تجد التوجهات الفاعلة لا تجد لها مكانًا في الأمم المتخلفة لأنها محجوبة بكثير من السدود والقيود ومحاطة بجدران من التعتيم والتسفيه والتشويش ، ومسلسلة بقيود من الإرهاب والقهر ، ولهذا فهي لا ترى النور أو تستنشق نسيم الحياة الكريمة ، ولا يشفع لها عقل ناضج ، أو فكر مستنير أو عزيمة قوية أو تجربة ناضجة ، أو أمانة حافظة ولا تستطيع الأمة أن تختارهم أو تقدمهم أو ترشحهم أو تبرزهم .
والأمم المتخلفة يخترع لها سادتها نظامًا يناسب هذا التخلف ويواكب هذا الضياع يتخلص في القول الضال: اعصب عينيك وسر وأنت أعمى ، لأن العقل عندهم رذيلة ، والحرية جريمة ، والعبقرية ثورة ، العالم يتسابق في الإنتاج ويواصل التجويد والاختراع وهم عالة يتباهون بالاستملاك ويعيشون أحلام اليقظة .
الأمم الناهضة يعمها الرخاء والنماء ويخجلون ويعترفون إن وقعت منهم صغيرة ، وهم [ الديكتاتوريون ] غلاظ الأكباد عراض الأقفية لا يتجرون ولا يستحيون إذا جلبوا الكبائر والدواهي ورغم ذلك يوصفون بالعبقرية ، وينعون بالملهمين ، ويصب على رؤوسهم المديح صبًا ، ويكال لهم الثناء كيلًا .
يرشحون بغير منافس ويفوزون بالتزكية ، ويظلون على قلبها جاثمين .
الأمم تحرص على تربية أبنائها وتعليمهم وتدريبهم لمواكبة عصورهم ومقارعة ومنازلة خصومهم في مجال التكنولوجيا والبحث العلمي وتسخر لذلك كل الوسائل الإعلامية والعلمية والتربوية ، وهؤلاء يحرصون على تهميشهم وإلهائهم ، وتدجينهم ، وملاحقتهم ، وتحطيمهم ، وتسخير كل الوسائل الإعلامية والثقافية لذلك ، القيادات في العالم المتحضر تنتقي من العبقريات الفكرية والاجتماعية والعسكرية قادة ، حتى تستطيع أن تحقق طموحات أممهم وتستطيع حمل المسؤولية وإدارة دفة البلاد بكفاءة وقوة وفاعلية .
والقيادة في العالم المتخلف لا تنتخب ولا تنتقى ولكن تفرض ، ولا تكون من العبقريات ، وإنما من الجلادين والأبالسة ، لتستطيع إحراق الأخضر واليابس ، وجمع الأموال بغير حق أو ضمير ونزع اللقمة من أفواه الجياع ، والتلهي بجراح المنكوبين ومصائبهم ، لك الله أيتها الشعوب المسكينة ، فلن ينفعك إلا سواعدك وعزماتك ، وأملك في الله وفي منهجه ، ويساعدك على ذلك يقظة للأمة على يد رواد كرام:
( صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا) [الأحزاب/23] .
لينقشع الغبار وتزول الغُمة: (ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله) [الروم/4،5] .
خاتمة:
ويشهد القرن الحادي والعشرين الميلادي ، تململ الشعوب ، وتحركها ضد الديكتاتورية ، فقد تخلصت رومانيا من ( تشاوشسكو ) ،الذي كانت زوجته نائبه الأول في السلطة ، وولده نائبه الثاني ... وتخلص العراق من (صدام ) ، وتخلصت تشيكوسلوفاكيا وسائر دول أوربا الشرقية من النظام الشيوعي [ الديكتاتاوري ] ...
كما ذاب الاتحاد السوفياتي وعبرت [ البروستوريكا ] عن إعادة البناء بلبنات ديموقراطية وغير ديكتاتورية ...
وفي العالم العربي صحوة إسلامية ضد الديكتاتورية ، تنادي بالديموقراطية للتخلص من الديكتاتورية ... وإن غدًا لناظر ه قريب ...
* كاتب سوري في المنفى