فهرس الكتاب

الصفحة 7306 من 27345

ويرى بعض المفكرين أن الديكتاتورية يكون مرغوبًا فيها أحيانًا وفي ظل ظروف معينة ، فنجد المفكر الثوري الفرنسي بلانكوي يتحدث عما أسماه بالديكتاتورية الثورية فيعني بها الانقلاب الذي تقوم به الصفوة ، وليس ثورة جموع الشعب ، ويصف انقلاب أو ثورة الصفوة هذا بأنه الوسيلة الوحيدة والمضمونة للقضاء على الرأسمالية وآثارها ، وهو يرى أن هذه الصفوة التي تقوم بالانقلاب لابد أن تمسك بنصاب الأمور في الدولة ، ولو مؤقتًا ، فتشكل نظام حكم نخبوي ديكتاتوري يرسم برنامجًا ثوريًا يطرحه على الناس ويفرضه عليهم في حالة عدم رضائهم عنه وعدم رغبتهم في مساندته .

ولم يقتصر أثر البلانكوية على الأجيال المتتالية من الراديكاليين الفرنسيين ولكنه امتد أيضًا إلى ماركس الذي تعاطف مع لبّ الدعوة وإن كان قد رفض الاتجاهات النخبوية فيها وعدم إيلائها اهتمامًا كافيًا للطبقة العاملة .

ولكن بلانكوي نفسه أظهر في مرحلة متأخرة اهتمامًا بإيجاد قاعدة من الطبقة العاملة لمفهومه الثوري ، وكان هذا الاهتمام هو الذي أوحى للماركسية بمفهوم [ ديكتاتورية البروليتاريا ] ، ولقد أصبح هذا المفهوم شائعًا في الفكر الماركسي بعد ماركس ، وخاصة في كتابات لينين ، حيث أضحى له دلالة معينة هي إشارته إلى طبيعة السلطة في الدولة الشيوعية في الفترة الانتقالية من مرحلة الثورة إلى مرحلة المجتمع الشيوعي الحقيقي ، ويرى أنجلز أن البروليتاريا تمارس سلطات ديكتاتورية بغرض تحقيق التحكم في وسائل الإنتاج وعندما يحدث هذا تختفي البروليتاريا كطبقة وتختفي من ثم الديكتاتورية ، كما أن ماركس كان يؤمن أيضًا أن ديكتاتورية البروليتاريا هي وسيلة تساعد على تحقق غاية فناء الدولة وهو هدف الشيوعية الأسمى، ويستخدم هذا التحليل من الناحية العملية لإضفاء الشرعية على الأحزاب الشيوعية الحاكمة ولتبرير السلطات السياسية الواسعة التي تمارسها تلك الأحزاب بحجة أن الأحزاب الشيوعية الحاكمة إنما تحكم باسم البروليتاريا وان سلطاتها التحكمية هي وسيلة في سبل تحقيق هدف الحركة الشيوعية الأسمى .

والواقع أن الشرعية هي إحدى المشكلات المحورية في النظم الديكتاتورية ، ومعظم النظم الديكتاتورية تلجأ إلى البناء القانوني الذي خلفته ابتداء لتستمد منه شرعية وجودها وأساليب حكمها ، ثم هناك بعض النظم الديكتاتورية التي تلجأ إلى العادات والتقاليد والأعراف والقانون الطبيعي لتبرر وجودها وعندما تفشل تلجأ إما إلى العزف على وتر أن الممارسة التحكمية للسلطة هي وسيلة مشروعة في مرحلة بناء الدولة ، أو تلجأ إلى تكريس أيديولوجية ميتافيزيقية تبرر النظام الديكتاتوري القائم بوصفه جزءًا من نظام كوني محددة معالمه مسبقًا ومقضي قيامه في هذا الوقت وعلى هذا الشكل إما وفقًا لقواعد القضاء والقدر أحيانًا أو وفقًا لنظرية النشوء والترقي أحيانًا أخرى ، ويعد العامل الكاريزماتي [ القائد الفذ ] أيضًا أحد أهم العوامل المستغلة في إكساب النظام الديكتاتوري قدرًا من الشرعية خاصة في تلك النظم التي تحاول إقامة واجهة ديمقراطية برّاقة لها مثل النظم الشمولية .

الديكتاتورية المعاصرة [ ديكتاتورية تنموية ] :

ويهتم العديد من الباحثين السياسيين بدراسة ظاهرة الديكتاتورية في دول العالم الجديد التي نالت استقلالها حديثًا ، ويضع هؤلاء الباحثون أسبابًا عديدة لهذه الظاهرة رغم اتباع معظم هذه الدول - ظاهريًا - لأشكال حكم ديمقراطية برلمانية ، ومن أهم الأسباب المذكورة في هذا الصدد هو أن الاتباع العملي لوسائل حكم ديكتاتورية هو ميراث فترة طويلة من الخضوع لاستعمار كان يمارس نفس أساليب الحكم السلطوية تلك ، ومن الأسباب المذكورة أيضًا أن الممارسة الديمقراطية الحقة لا يمكن قيامها إلا في دول تعرف طبقة وسطى عريضة مستقرة ومبادئ سياسية واجتماعية مستتبة وقنوات اتصال كفء تعمل في الاتجاهين أي بين الحاكمين والمحكومين والعكس ، وأن هذه المتطلبات غير متوافرة في معظم الدول الحديثة الاستقلال مما يجعل الأساليب الديمقراطية تبدو دخيلة ومستوردة وغريبة على البنيان الاجتماعي الموجود ، ثم هناك سبب آخر يطرحه هذا الفريق من الباحثين ان الطبقة المتعلمة في معظم تلك الدول تؤمن أن التطور الصناعي الجذري والسريع كإحدى وسائل تحقيق الرفاهية الاجتماعية لا يمكن أن يتم في ضوء الظروف المتاحة إلا عن طريق نظام حكم تسلطي ، ويخلص هؤلاء الباحثون إلى أن كل هذه الأسباب أو بعضها يؤدي إلى قيام هذه الدول بالأخذ بنظام الحزب الواحد المدعوم بمساندة المؤسسة العسكرية والهيكل البيروقراطي وحيث يكون على قمة هذا الهرم التسلطي زعيم كاريزماتي .

ويطلق الباحثون على هذه النظم اسم"الديكتاتورية التنموية" (Development Dictatirship ) .

مناقشة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت