فهرس الكتاب

الصفحة 13490 من 27345

( ولقد رآه نزلة أخرى ، عند سدرة المنتهى ) هنا جاء الحديث عن الإسراء والمعراج ، لأن محمد صلى الله عليه وسلم لم يرَ جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها إلا مرتين ، مرة وهو في حراء ، ومرة في المعراج ، أول ما جاء إليه الوحي وبعد أن فتر قليلًا وذهب محمد صلى الله عليه وسلم ليتردى من الجبال حزنًا على هذا الوحي الذي فتر عنه تبدى له جبريل عليه السلام ، ناداه: يا محمد ، قال: فالتفت يمينًا فلم أرَ شيئًا ، والتفت شمالًا فلم أرَ شيئًا ، وأمامي وخلفي فلم أرَ شيئًا ، فتكرر النداء فرفعت طرفي إلى السماء فإذا جبريل ساد بجناحيه أفق السماء ، فجفلت رعبًا ، فطمأنه جبريل عليه السلام وقال له: أنا جبريل وأنت رسول الله . هذه هي المرة الأولى ، والمرة الثانية التي أشار إليها القرآن بهذه السورة ( ولقد رآه نزلة أخرى ، عند سدرة المنتهى ) في الرحلة العجيبة في الإسراء التي أُسري به من مكة إلى بيت المقدس وعُرج به إلى السماء إلى حيث ينتهي كل مخلوق ، إلى سدرة المنتهى التي لا يعرف وصفها إلا الله جل وعلا ، هناك أيضًا رأى الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام بصورته التي خلقه الله عليها ، قال: لقد رأيته وله ستمائة جناح . الرسول صلى الله عليه وسلم رأى جبريل مرتين ، أما المرة الأولى فمفهوم أن يشار إليها ، وأما المرة الثانية فما مبرر الإشارة إليها ؟ من هذه الزاوية الضيقة ولكن ليس لنا غيرها نستطيع أن ندخل إلى تأطير فاتحة السورة في هذا الجو المكي المبكر ، إن الكلام ينصب على أمين الوحي فهو جبريل وهو القوي والأمين وهو الذي رآه في الأفق الأعلى ثم رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى وذلك في حادثة الإسراء والمعراج ، فالإشارة إلى ما كان في الإسراء والمعراج ليست مقصودة بالذات وإنما هي مقصودة تبعًا لكي تزيد من الظلال التي توقع القناعة في النفوس بقوة أمين الوحي وبقدرته على إبلاغ كلام الله جل وعلا إلى الناس ، خذ إليك ما شرحناه الآن تجد أن فاتحة السورة من أولها إلى الحد الذي انتهينا إليه يتحدث عن موضوع النبوة . وموضوع النبوة من الموضوعات المبكرة في الدعوة ، بل لعل موضوع النبوة أسبق الموضوعات جميعًا التي أثارها المشركون في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هنا دخلت فاتحة السورة بإشارتها إلى ما حدث في الإسراء والمعراج دخلت في جسم السورة دخولًا طبيعيًا أنيقًا هينًا لينًا معجبًا معجزًا ، وهذا هو الذي يجب أن يلتفت إليه دارس القرآن . القرآن نزل ليخاطب جملة الملكات الإنسانية ، ليس فقط يخاطب عقلك ، ولكن يخاطب عقلك وما فيه من مقاييس ، ويخاطب معارفك ومعلوماتك وما تستدعيه أنت من خزانة ذاكرة وأنت تقرأ الكتاب ، ويخاطب أحاسيسك ومشاعرك ، ويخاطب قلبك أي يخاطب الكينونة البشرية بكل ما فيها من قوى ومواهب وإمكانات وحوافز ودوافع ، فالإنسان الذي يقرأ القرآن إذا لم يكن مقبلًا عليه بكل ما فيه من طاقة وقوى وإمكانات لا يمكن بتاتًا أن يفيد من هذا الكلام الإلهي إلا كما يفيد الإنسان الذي يمر فيسمع لغوًا من لغو الحديث لا أكثر ولا أقل . فاتقوا الله في قرآنكم ، واقرأوه كما ينبغي لكم أن تقرأوه ، وثقة أحدثكم ـ وهذا من التحدث بنعمة الله جل وعلا ـ أنا الآن في الخمسين من العمر ، وما أعرف بين أصحابي من حصل من العلم ما حصلت ، عمري كله دراسة ، كنت أقرأ القرآن وأنا طفل ، وقرأته بعد ذلك في الليل والنهار ، وأشهد صادقاٌ غير متواضع تواضعًا زائفًا أنني أقرأ القرآن اليوم على غير ما كنت أقرأه من قبل ، وأنني في السنتين أو الثلاثة الأخيرة أصبحت أذوق للقرآن طعمًا حينما أتذكر أيامي الماضيات أشعر بالمرارة في حلقي ، لماذا لم أذق هذا الطعم قبل اليوم ؟ لماذا لم أُدرك هذا العالم قبل اليوم ؟ قدّر الله وما شاء فعل ، وها نحن نعيش مع القرآن عيشة من يتطفل على مائدة القرآن ، فاقرأوه إذًا بهذا الشكل . إذا كنتم تريدون أن تستفيدوا من هذا القرآن المعجز وإلا فدعوه ، إنه لن يغني عنكم شيئًا ، لأنه لن يزكي لكم نفسًا ولن يقوّم لكم سلوكًا ، وإنما الذي يستفيد من القرآن هو من يعطي كله للقرآن . فعيشوا مع القرآن بكليتكم ثم انتظروا بعد ذلك مدد ربكم جل وعلا فسيفتح عليكم ، والإنسان حينما يلتجئ إلى الله يفتح الله له منافذ من العلم ما كانت تخطر له من بال .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت