فاتحة السورة كما وضعناها من جسم السورة كانت إذًا من الله حجاجًا في وجه المشركين حول موضوع أساسي من الموضوعات المبكرة التي طرحتها الدعوة وهو موضوع النبوة ، وآيات فاتحة السورة حينما سُحبت لتوضع في سورة النجم فليس لتشير إلى الحادثة البعيدة أي حادثة الإسراء والمعراج ، ولكن لتشير إلى المصدر الذي يتلقى منه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الوحي ولتشير إلى الواسطة التي توصل هذا الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا تقوّل إذًا ولا اختراع ولا أهواء ولا تصورات وإنما هو شعاع صادر من منبع حق هو الله جل وعلا ، ثم لا تلقّي لمحمد صلى الله عليه وسلم لا من خرافات الفرس ولا من أساطير العرب ولا من بقايا أهل الكتاب المنتشرين في الجزيرة العربية ، وإنما التلقي من أمين الوحي جبريل ذي القوة المكين عند الله جل وعلا ، فالسورة بفاتحتها لا تضع في اعتبارها تفصيل حادثة الإسراء والمعراج وإنما تضع في اعتبارها بيان أحقية الوحي وكونه صادرًا من الله جل وعلا بواسطة الأمين جبريل عليه الصلاة والسلام ، فالسورة إذًا نستطيع أن نقول بعد كل المراحل والأشواط التي قطعناها إنها بالفعل من السور المبكرة في النزول جدًا ، وليس صحيحًا أننا كلما عثرنا على آية من سورة تشير إلى واقعة معينة محددة التاريخ أن السورة نازلة في هذا التاريخ ليس صحيحًا هذا وإنما الصحيح أن ننظر من داخل السياق وأن نحاول من مجموع قرائن السورة أن نتعرف سيقت الواقعة بهذا الموضع من كتاب الله جل وعلا ، أمامكم كمثل حي القصص في القرآن ، كم من السور حوت أخبار آدم ونوح وصالح وفرعون وثمود وعاد وموسى وبني إسرائيل .. سور عديدة لا تكاد تخلو من سورة إلا ما ندر من ذكر هذه القصص ، الناظر المتعجل في القرآن يتصور أن ثمة تكرارًا ، وهذا خطأ مبين ، في الحقيقة حينما تساق قصة أو واقعة في سورة وتساق هي بالذات بالنص أو تغيير طفيف في سورة أخرى فالغرض مختلف ، الواقعة جاءت هنا لغرض وجاءت هناك لغرض آخر ووظيفة قارئ القرآن هي أن يدرك بالحس اللطيف وباستلهام معلم إبراهيم صلوات الله عليه لماذا سيقت الوقائع هنا وهناك وما هي الأغراض التي عالجتها هنا وهناك ؟ وهذه أعلم أنها مهمة الشأن ، عسيرة وصعبة ، لكن لا بد من المعاناة ، فالذي أريده حقًا هو أن أستنهض هممكم وأن أستثير تطلعاتكم لكي تكون قراءتكم للقرآن مصحوبة بقدر أكثر من العناية . نأتي الآن بعد هذه الملحوظة التي لا بد منها كموعظة لي ولكم ولكل قارئ للقرآن .