ثم عاودت سورة آل عمران إلي التذكير بغزوة أحد في مواساة رقيقة للمسلمين , مؤكدة لهم أنهم هم دائما الأعلون ما داموا علي إيمانهم بالله , علي الرغم من تعرضهم لشيء من النكسات في بعض الأوقات لأن النصر والهزيمة من سنن الله في الحياة , لكل منها قوانينه , وأن الأيام دول يداولها الله ( سبحانه وتعالي ) بين الناس لحكمة يعلمها بعلمه المحيط لعل منها أن يتخذ من المؤمنين شهداء , وأن يميز المؤمنين من المنافقين , وأن يطهر المؤمنين بشيء من الإبتلاء والتمحيص مما قد يقعون فيه من الذنوب , ويهلك كلا من الكافرين والمشركين والطغاة المتجبرين بذنوبهم , والله ( تعالي ) لا يحب الظالمين من المعتدين , كما لا يحب المتخاذلين في الدفاع عن دمائهم , وأعراضهم , ومقدساتهم , وممتلكاتهم , وأراضيهم , وعن الحق وأهله . وهذا الخطاب كما كان لرسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) وأصحابه وأهل زمانه , هو خطاب لكل من آمن به من بعده إلي يوم الدين .
وتؤكد هذه السورة الكريمة بشرية سيدنا محمد ( صلي الله عليه وسلم ) وأنه رسول قد خلت من قبله الرسل لا يجوز لأي ممن آمن به واتبعه أن يرتد عن ذلك بعد موته , فرسالته خالدة , باقية إلي يوم الدين لأن الله ( تعالي ) قد تعهد بحفظها . وتؤكد الآيات أن من يرتد عن دينه فلن يضر الله شيئا , ولكنه يهلك نفسه بتعريضها لسخط الله وعذابه .
وتنتقل الآيات إلي الحديث عن قضية الأجل مؤكدة أن الله ( تعالي ) قد جعل لكل نفس أجلا محددا لا تموت إلا عنده , وقد جعل الله ( تعالي شأنه ) الأجل غيبا لا يعلمه إلا هو ( سبحانه وتعالي ) حتي لا تتوقف عجلة الحياة , وحتي يتجاوز المسلم حاجز الخوف من الموت فيتقدم إلي مواكب الشهادة في سبيل الله دون وجل أو مهابة .
وتؤكد الآيات في سورة آل عمران أن من قصد بعمله أجر الدنيا أعطاه الله إياه , وليس له في الآخرة من نصيب , وأن من قصد بعمله أجر الآخرة أعطاه الله تعالي أجري الدنيا والآخرة . وأن الله ( سبحانه وتعالي ) يجزي عباده بحسب شكرهم لنعمه , واعترافهم بعظيم فضله , وإن كانت هذه أحكاما عامة إلا أن فيها تعريضا واضحا بمن رغبوا في غنائم الحرب أثناء شدة القتال في غزوة أحد فتسببوا في عدم إتمام النصر الذي بدا في أول الأمر محققا للمسلمين .
ثم تنتقل الآيات إلي الحديث عن العلماء الربانيين , والمجاهدين الصادقين الذين قاتلوا مع أنبياء الله ورسله من أجل إعلاء دين الله واقامة عدله في الأرض , فقتل منهم من قتل شهيدا , وأصيب من أصيب , ولكنهم لم يذلوا لعدوهم أبدا , ولم يخضعوا له , واحتسبوا وصبروا في كل ما مر بهم من الشدائد والمحن ولذلك امتدحهم القرآن الكريم بقول ربنا ( تبارك وتعالي ) :
وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا علي القوم الكافرين فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ( آل عمران:146 ـ 148)
وتعاود السورة المباركة إلي التحذير من موالاة كل من الكافرين والمشركين , مؤكدة أن الله ( تعالي ) هو مولي المؤمنين , وهو خير الناصرين الذي يعدهم النصر بقوله الحق:
سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوي الظالمين ( آل عمران:151)
ومرة أخري تستعرض الآيات (152 ـ 175) أحداث معركة أحد بهدف تربية المسلمين , وتحذيرهم من مزالق الطريق , وتنبيههم إلي ما يمكن أن يحيط بهم من كيد الكفار والمشركين كالذي أحاط بهم في القديم والذي يحيط اليوم بجميع المسلمين , وفي ذلك يحاول الشيطان أن يعين أولياءه كي يجعل منهم مصدر إرهاب وتخويف للمؤمنين , والخوف لا يجوز أن يكون إلا من رب العالمين .
وتطلب الآيات من رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) ألا يحزن علي الذين يسارعون في الكفر لأنهم لن يضروا الله شيئا في الوقت الذي يضرون أنفسهم ضررا بليغا , ويريد الله ( سبحانه وتعالي ) ألا يجعل لهم حظا في الآخرة , ولهم عذاب عظيم . وإمهالهم في الدنيا , والتمكين لهم فيها ليس من صالحهم لإزديادهم في المعاصي والآثام مما يجعلهم أهلا لمضاعفة العذاب في الآخرة . وعلي النقيض من ذلك فإن ابتلاء الله ( تعالي ) لصفوف المؤمنين ليميز الخبيث من الطيب ( وهو أعلم بهم ) , وليظهر ذلك لمن يشاء من عباده كما فعل في معركة أحد , وفي ذلك يقول:
ما كان الله ليذر المؤمنين علي ما أنتم عليه حتي يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم علي الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ( آل عمران:179)
وتدعو الآيات إلي الإيمان بالله وتقواه , وببذل المال في سبيل الله , وتتوعد الذين يبخلون بقول ربنا ( تبارك وتعالي ) :