فهرس الكتاب

الصفحة 24643 من 27345

الحالة الثالثة: أن يكون الهجر من قبيل هجر المبتدع، وفرق بين المبتدع والمذنب، إذ هجر المبتدع سائغ شيئًا ماـ وأقصد بالمبتدع:صاحب البدعة في أصول الدين لا الفروع، كالقدري والمرجئ والمتكلم في القرآن بالخلق.. أما الفروع فجلها خلافية اجتهادية، لا يحسن الإنكار فيها، ناهيك عن الهجر والمقاطعة.. فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ ومَجُوسُ أُمَّتِي الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ] رواه أبوداود وأحمد.

الحالة الرابعة: الهجر لأصحاب المعصية والذنب، غير أن كل ما روي في هذا الهجر قاصر عن الدلالة عليه: إما لضعفه، أو لتوجيهه، وهو ما تعلق به من أراد أن يكون هجر المذنب هو الأصل.

عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى أَهْلِي وَقَدْ تَشَقَّقَتْ يَدَايَ فَخَلَّقُونِي بِزَعْفَرَانٍ فَغَدَوْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ وَقَالَ:' اذْهَبْ فَاغْسِلْ هَذَا عَنْكَ' رواه أبوداود وأحمد.

وهذا الحديث ضعيف لا يُحتج به.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ: اعْتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْنَبَ:' أَعْطِيهَا بَعِيرًا' فَقَالَتْ أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَبَعْضَ صَفَرٍ. رواه أبوداود وأحمد.

وهذا الحديث ضعيف لا يُحتج به.

خلاصة القول في حالات الهجر الجائز: وغاية ما يمكن أن يُقال في قضية الهجران، ويتخذ من إجراء فيها، ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: [وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة، بحيث يُفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته، كان مشروعًا .. وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهجر ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ..] ا.هـ.

انفتاح الخطاب الإسلامي على أهل الملل والأديان: ومما لا يقره الإسلام لدعاته: أن ينحصر خطابهم فيما بينهم، ولا يتعدى الأمة إلى غيرها من الأمم من أهل الديانات والملل؛ ذلك، أن دعوة الإسم تتوجه للعالمين لكل قرن وأمة في التاريخ، وكل قرية وقوم وملة على وجه الأرض: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [27] { 'سورة التكوير'.. } وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [28] 'سورة سبأ' .

والمسلم يأمره القرآن أن لا ينغلق بل ينفتح بخطابه ليمتد على العالمين، يبشر بالحق الذي أوتيه، ويحيي حركة السابقين الأولين من سلف الأمة الصالحين ومن اتبعهم بإحسان، وقد انطلقوا يبلغون الإسلام إلى الأمم الأخرى.

وبهذه المبادئ الباقية ما بقيت السموات والأرض انطلق ربعي بن عامر رضي الله عنه يواجه بها الطغيان في الأرض.. يدخل على حاكم الفرس وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة، وعليه تاجه، وقد جلس على سرير من ذهب، يدخل عليه ربعي رضي الله عنه بثياب صفيقة، وسيف، وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل عليه سلاحه ودرعه، وبيضته على رأسه يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامتها، فقال له ملكهم: ما جاء بكم؟

فأجاب: [الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه ] .

بهذه الكلمات حدّد ربعي رضي الله عنه هدف الدعوة وحدودها، بأن هدفها: تحرير البشرية من الأغلال الثلاثة: عبادة غير الله، وضيق الدنيا، وجور الأديان الباطلة المحرفة .. وبأن حدود الدعوة ومنتهاها: العالمين، وخلق الله أجمعين.

أشكال الخطاب الإسلامي:

أولًا: خطاب القدوة: وهو أول خطاب يجب أن يُوجه إلى الناس من أصحاب الدعوات، وحملة الرسالات، وإلا فسيبقى الناس في حاجة شديدة لهذا الخطاب، مها وجه إليهم من خطاب آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت