ولقد كان النبيون ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ قبل أن يقدموا خطاب ربهم للناس، يقدمون لهم أنفسهم فيجد الناس فيهم الصدق والأمانة، ويرجون منهم، ويتخذونهم أسوة حسنة، قال تعالى في رسولنا صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [21] { 'سورة الأحزاب'. وقال في النبيين من قبله- صلوات الله وسلامه عليهم:} لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر [6] َ 'سورة الممتحنة'.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بشخصه وجميع سلوكه، وحسن تعامله مع الناس، ترجمة صادقة للداعية الموفق، وأسوة حية لمن يرجو التحقق بالقرآن:[ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ رواه مسلم وأحمد.
ثانيًا: خطاب المجادلة: إن الدعوات كلها تنطلق أساسًا من الحوار، وتتخذ سبيل الجدال في كل أطوارها، ولا تتوقف المجادلة إلا باعتراض عنيد يستوجب إزالته باليد والسيف، ثم تواصل المجادلة سيرها تلزم الحجة، وتقنع المرتاب. ولقد أكثر الدعاة من الجدل بالحسنى، عبر المرسلين والمتبعين لهم بإحسان، حتى تضايق قوم نوح من جداله: قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [32] 'سورة هود'.
فالقرآن ينبّه الداعين إليه إلى التزام المجادلة في الدعوة إليه، ويقرنها بالحكمة والموعظة الحسنة، فيقول تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [125] 'سورة النحل'.
ثالثًا: خطاب المجاهدة: لو أن الناس تقبّلوا الحق حين رأوا أصحابه يعطونهم القدوة من أنفسهم، أو بما قام بينهم من حوارات ومجادلات، أو تركوا الدعاة يبلغون دين الحق دون الصد عن سبيل الدعوة، لما احتاج المسلم أن يُشهر سيفه، ولاكتفى بالمجادلة .. ولكن حال المناقضين للفطرة، من أصحاب الجاه والسلطان والمال، أنهم لا يتركون الدعوة تمضي، ولا يخلون بين عامة الناس وبين اختيارهم بحرية، فيقفون في وجه الدعوة، فعندئذ لابد من إزاحة هذه العوائق من على طريق الدعوة، فيتحول خطاب المسلم من المشاكلة والاستحسان، ومن الحوار والجدال، إلى خطاب السيوف والرماح والنبال، ومن جهاد الجدال إلى جهاد القتال، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
مرحلة الصفوية: انفتاح الخطاب الدعوي على جماهير الناس، ليس على إطلاقه، ولا يقتضي أن تكون الانفتاحية في كل حين وحال، بل لابد من الصفوية في مرحلة من مراحل الدعوة، وذلك أن الدعوة لا تنطلق بذاتها وإنما يحمل خطابها مؤمنون بها.
وهؤلاء المؤمنون الأوائل، هم الصفوة المقصودة، إذ المصلح، أو الداعي يبدأ بفئة متقاربة في الالتزام والطاعة، متقاربة في الفكر والاعتقاد والمبادئ والأهداف، متقاربة في الاجتهاد والتبليغ والدعوة، وهؤلاء هم الصفوة.
وهكذا كان الله سبحانه وتعالى مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول مع السابقين الأولين من صحابته رضوان الله عليهم. فالقرآن بدأ بتنشئة صاحب الدعوة، يهيئ فكره وعقله، مخاطبًا إياهما بـ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [1] خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ [2] اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ [3] 'سورة العلق'.
ثم هيأ روحه ودواخله آمرًا إياه أن: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [2] نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا [3] أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا [4] إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [5] 'سورة المزمل'.
وبعد ذلك هيأ له راية الإبلاغ تبشيرًا وتنذيرًا، فأمره أن: قُمْ فَأَنْذِرْ [2] وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [3] وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [4] وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [5] 'سورة المدثر'.
والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بدأ مع أهله، ثم أصدقائه، ثم عشيرته، ثم انطلق وصدع.
وفي أثناء ذلك عكف يربّي فئة خيّرة سابقت العالمين إلى الإيمان به واعتناق الدين الذين جاء به.
ولقد كان الصحابة الأولون مثلًا في التقوى والالتزام، والتخلق بخلق الإسلام.
من كتاب:' من مرتكزات الخطاب الدعوي في التبليغ والتطبيق' للشيخ/ عبد الله الزبير عبد الرحمن