ولعل مما يدخل في هذا السبب: الإكثار من قراءة أخبار أهل العلم والتقوى والجهاد من أنبياء الله الكرام، وصحبهم الأجلاء، والتابعين لهم بإحسان؛ ففيهم الأسوة والقدوة والخير كله.
5-الحذر من الدنيا، وعدم الركون إليها: إن من أعظم أسباب الانحراف عن الحق، والوقوع في الانحراف والمخالفات؛ هذه الدنيا الغرارة؛ فكلما انفتحت على العبد؛ كثرت شبهاتها، وانساق مع شهواتها المختلفة، وعندما يرد ذكر الدنيا فإنه يقصد بها كل ما أشغل عن الآخرة من متعها المختلفة التي أجملها الله في قوله سبحانه: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [24] } [سورة التوبة] .
والانغماس في الدنيا وترفها وملذاتها ينتج عنه: غفلة عن الآخرة، وتشتت للذهن والقلب، وإعمال الفكر في الاستزادة منها، والخوف على فواتها، وهذا يؤدي إلى قسوة القلب ورقة الدين، ومن هنا: تبدأ النفس في الاستجابة لتزيين الشيطان، وتثور الشبهات والشهوات في القلب، والذي ينشأ منهما: الكذب، والتدليس، والتلبيس، والطمع، والجشع.. وبخاصة في مثل عصرنا الذي نعيش فيه، والذي كثرت فيه المعاملات المحرمة والشبهات، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم، ولذا: كان الأولى لمن أراد لنفسه السلامة من الدنيا وشبهاتها وشهواتها: أن يتخفف منها قدر الاستطاعة، وأن يرضى منها بالقليل؛ لأن هناك تناسب طردي ـ وخاصة في زماننا هذا ـ بين كثرة الدنيا وكثرة الوقوع في الشبهات والشهوات المؤديات إلى التدليس والتلبيس.
6-النصح للأمة والحذر من عاقبة التلبيس والتدليس عليها: فيبين الحق لأمته، ويعري الباطل ويكشفه لها، ولا يجعله ملتبساً عليها فتضل؛ لأن الذي يرى أمته تُضلل ويُلَبّس عليها دينها فتعيش في عماية من أمرها، ثم يتركها ـ وهو يعلم الحق من الباطل ـ إن مَن هذا شأنه: يعتبر خائناً لله ورسوله وللمؤمنين، وإن الله سائله يوم القيامة عن علمه: فيم عمل به؟ وهذا فيمن رأى التضليل والتلبيس فلم يُحذّر منه، ولم يكشفه للناس، فكيف بمن باشر التلبيس والتضليل بنفسه؟! إن هذا ـ بلا شك ـ أكثر خيانة من سابقه، وإن وزر وضلال من ضلله بتلبيسه هذا سيحمله فوق ظهره يوم القيامة.
والحاصل: أن شعور المسلم بإثم وعاقبة التلبيس، أو السكوت عليه؛ من أقوى الأسباب المانعة من الوقوع فيه ـ إن كان في القلب حياة، وخوف من الله، والدار الآخرة ـ، لأن من كان في قلبه المحبة الحقيقية لهذا الدين وأهله؛ لا يمكن أن يرى التضليل والتلبيس من المفسدين المنافقين ثم يرضى لنفسه السكوت والوقوف موقف المتفرج، بل لن يقر له قرار ويهدأ له بال حتى يساهم قدر استطاعته في إبانة سبيل المؤمنين، وإسقاط اللافتات الزائفة عن سبيل المجرمين، وتعرية باطلهم وخداعهم، وعندها: تعرف الأمة من توالي ومن تعادي، وعندها: تتميز الصفوف ويتميز المؤمن من المنافق، وكل هذا يحتاج إلى تضحيات باهظة، لكنها رخيصة في سبيل الله، لأن نصر الله الموعود لا يتم بدونها.
والله أعلم، وصلّ الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
من:' ولا تلبسوا الحق بالباطل' للشيخ/ عبد العزيز بن ناصر الجليل