التي بدأ الرسول -عليه السلام- التحرك نحوها في أعقاب صلح الحديبية، بالكلمة حينًا والسلاح حينًا آخر، والتي جاءت (الردّة) بمثابة عائق وقتي عن مواصلة التحرك في سبيلها .. ذلك هو السعي من أجل تنفيذ عالمية الإسلام، وإسقاط كافة النظم الباغية، وإزاحة كافة الطواغيت من مراكز السلطة، وإلغاء كافة التشريعات الوضعية التي صمّمها ونفذها حفنة من المتألهّين في الأرض، وتحقيق البديل الوحيد لذلك كلّه: ألاّ تكون فتنة للناس، وأن يكون الدين، والمنهج والتشريع لله .. أي أن يتحرّر الناس من كافة الضغوط والمؤثرات التي يمارسها الطواغيت في العالم، وأن يسود الأرض تشريع عادل واحد، لا تحيّز فيه أو ميل لطبقة أو جماعة أو فئة أو أمة .. ذلك هو شرع الله ..
وعبر طريق الجهاد القاسي الطويل، ومنذ لحظات الفجر الأولى، كانت العقيدة بالنسبة للإنسان المسلم والجماعة المسلمة بمثابة الدافع والهدف .. فهي تحرّكهم من الداخل بعطائها الدائم، ومطالبها المستمرة، وهي تناديهم من الخارج لكي يتحركوا إلى الأهداف الكبيرة التي جاء هذا الدين لكي يجعل العالم يتحقّق بها، فيكون عالمًا جديرًا بالإنسان الذي كرمه الله ..
ترى .. كم من الحركات التاريخية عبر قرون الإسلام الأولى، لم تتمخض عن العقيدة الإسلامية وتنبثق عنها؟ نعم .. لقد ابتعد بعضها ـ بهذا القدر أو ذاك ـ عن روح العقيدة ومسلّماتها ورؤيتها، لكنه ظل في تياره الأشمل والأرحب مرتبطًا بها، مستمدًا قدرته على الفعل والامتداد والديمومة من دفعها وقدرتها على الفعل والإنجاز .. وحتى تلك الحركات القليلة التي شذّت ـ بالكلية ـ عن أي قدر من التوافق والانسجام والتناغم، إن هي- في نهاية التحليل-
إلاّ ردّ فعل لهذا الاتجاه أو ذاك .. لموقف عقديّ أملي عليها-لسبب ما- اتخاذ موقفها هي الأخرى .. وما أكثر الأسباب ..!!
إن مساحات واسعة من تاريخنا ـ إذن ـ لا يمكن ـ بحال ـ رؤيتها وتحليلها إلاّ على ضوء هذه العلاقة المتبادلة بين العقيدة والحركة .. وإذا كان عصر الرسالة يمثل ـ ولا ريب ـ انطباقًا باهرًا بين القطبين، فلأنه عصر النبوة، حين قاد الرسول -عليه السلام- أخطر حركة في التاريخ من أجل التحقق بالعقيدة الجديدة، وعلى كل المستويات، ابتداءً من أصغر التجارب والممارسات اليومية، وانتهاء بتغيير خرائط العلاقات والقيم والأشياء على مدى العالم كلّه.
(1) سورة القلم آية 1 ـ 5.
(2) سورة المدثر آية 1 ـ 3.
(3) سورة الحجر آية 94.
(4) سورة الشعراء آية 214.