تجارب أخرى للعمل السياسيّ والدعويّ الإسلاميّ بدأت بالعمل الدعويّ والتربويّ والتثقيفيّ ثم تحوّلت ـ حسب الريح والحالة النفسيّة ـ إلى المزاج العنيف، ثم تأسست لها مناهج تبيح قتال الحكومات وتصفها بأنها"طائفة ممتنعة عن الشرائع"ثم سالت الدماء، ووقعت المعارك، وتمزقت أسر، وضاعت أعمار أجيال خلف السجون، ودخل العمل الإسلاميّ في محنة كبيرة وليل طويل، ثم بعد ذلك عاد أصحاب التجربة إلى التأكيد على أن مشروعهم الحقيقيّ هو الدعوة والتربية والتثقيف، وأن أفكار العنف والغلوّ والقتال ونحو ذلك كانت خطأ واندفاعًا غير مؤسس على علم حقيقيّ، ثم ظهرت كتابات جديدة اعتبرها البعض تزيدًا في المراجعة؛ لأنها تمثل دفاعًا عن الأحزاب الحاكمة بدون أي مسوّغ شرعيّ ولا سياسيّ، والمراجعة في حد ذاتها شيء طيب، وأمانة من أصحابها مع أنفسهم وواقعهم، ولكنّ الشاهد أن هذه التجربة التي امتدت قرابة العشرين عامًا، خلّفت آلاف القتلى وآلاف الجرحى، وعشرات آلاف المغيبين في ظلمات السجون والمعتقلات، ودمار اجتماعيّ وأخلاقيّ واسع النطاق، ثم عدنا بعد كل هذه التضحيات والكوارث لنبدأ من نقطة الصفر، ومع الأسف حتى مع البدايات الجديدة يصعب أن تجد أي معلم يدلك على رؤية المستقبل الجديد، وإن كنت أرجو من الله تعالى أن يوفق هؤلاء الإخوة في تدارك هذا الأمر، والتأمل في المستقبل بنفس القدر الذي بذلوه في مراجعة الماضي.
أيضًا يمكننا أن نرصد تجربة الهجرة التي قام بها بعض الشباب الإسلامي قسرًا، حيث كانت موجات اللّجوء إلى الغرب، وأصبح هناك وجود كبير ومهم للشباب الإسلاميّ، وكان من الممكن أن يتحول هذا الوجود إلى بوابة أو جسر إنسانيّ وسياسيّ ودعويّ رائع بين القوى الفاعلة في المجتمع الغربيّ وبين طموح الإحياء الإسلامي في العالم الإسلامي، خاصة وأن المجتمع الغربيّ معقد ومركب وفيه بالفعل تيارات متناقضة وكثير منها متعاطف أو مستعد إنسانيًا وأخلاقيًا للتعاطف مع قضايا العرب والمسلمين، ولكن الذي حدث هو أن من خرجوا إلى"الأجواء المفتوحة"في الغرب تعاملوا هناك بعقليّة التنظيمات السريّة في العالم العربي، حتى الخطاب الإعلامي هناك كان أشبه بالمنشورات السريّة في العالم العربيّ وخطابها المتشنج والسطحيّ والفج، كما أن هناك نماذج رأت أن دورها يمكن أن يكون"سينمائيًا"من خلال هوس الفضائيّات، وهوس الإعلام الغربيّ بكل ما هو غريب ومثير بين الإسلاميين، وهؤلاء أساؤوا كثيرًا إلى الحالة الإسلاميّة، وأهدروا طاقات ضخمة كان بالإمكان استثمارها لصالح العالم الإسلاميّ وقضاياه وفي القلب منها الطموحات المشروعة للحركات الإسلاميّة، ضاع كل ذلك هباء؛ لأن صورة المستقبل لم تكن حاضرة أبدًا، والعمل للمستقبل بالتالي لم يكن حاضرًا في ضمير وهمة هؤلاء، وتحوّلت الأمور إلى شغل وقت والبحث عن حضور إعلاميّ مؤقت، ومزّيف.
عندما شرعت في كتابة هذه الملاحظات وضعت إلى جواري ورقة فيها الكثير من النقاط، ولو رحت أستقصيها لطال الكلام بما لا يناسب ولا نحتاج إليه، ولذلك حسبي ما قدمت من إشارات، أعلم أنها قد تسبّب ضيقًا لبعض إخواني، أو غضبًا لدى آخرين، وأنا لا يحزنني أبدًا ردّات الفعل الغاضبة، فكلنا بشر، ولكن يحزنني أكثر أن تضيع الفكرة في ثورات الغضب، وتغيب الفائدة من خبرات تاريخنا المعاصر، فكل أملي أن تصل هذه الكلمات إلى هؤلاء الذين يغلب عقلهم على عاطفتهم، وأولئك الذين يبحثون بجد وأمانة وإحساسٍ عالٍ بالمسؤوليّة عن مستقبل أكثر رشدًا وفاعليّة وإثمارًا للعمل الإسلام